قراءة اقتصادية للمرحلة الآتية

0

أتى الإعلان عن الاتفاق على قانون انتخاب جديد ليزيد من آمال اللبنانيين ببدء انفراج الوضع الاقتصادي. إلا أن الصعوبات التي ترافق إقراره في مجلس النواب وفترة التمديد الإلزامية تطرح السؤال عن واقع الاقتصاد اللبناني في المرحلة المُقبلة. 

يمرّ الإقتصاد اللبناني في مرحلة حرجة مع تراجع جميع المؤشرات الاقتصادية، وعلى رأسها الاستثمارات. هذا الواقع الاقتصادي يبقى نتاج التخبّط السياسي الذي يعيشه لبنان ونتاج غياب الإجراءات الحكومية لدعم الإقتصاد اللبناني. وتُشير التوقعات إلى أن العام 2016 كان من الأعوام السيئة اقتصاديًا على لبنان على جميع الأصعدة مع تراجع تحاويل المُغتربين التي قدّرها البنك الدولي بـ 7309 ملايين دولار أميركي مُقارنة بـ 7481 مليوناً في العام 2015. كما أن الإستثمارات الأجنبية المُباشرة تراجعت أيضًا مع توقعات بأن لا تتخطّى الـ 2288 مليون دولار أميركي في العام 2016 مُقارنة بـ 2342 مليوناً في العام 2015. هذه الأرقام تُشير إلى تراجع الاستثمارات في الإقتصاد اللبناني من ناحية أن الفائدة العالية على سندات الخزينة اللبنانية والإستهلاك يمتصّان قسم كبير من تحاويل المُغتربين، وفي الوقت نفسه هناك تراجع للاستثمارات الأجنبية المُباشرة. التردّي الاقتصادي لم يشمل فقط تدفقات الرساميل بل طال أيضًا الصادرات الصناعية التي بلغت 2527 مليون دولار أميركي في العام 2016 مُقارنة بـ 2956 مليوناً في العام 2015 و3150 في العام 2014. أمّا على صعيد العمالة، فقد استشرست بعض الشركات في الفترة التي سبقت إنتخاب رئيس الجمهورية في صرف العُمّال اللبنانيين حيث تخطّت أعدادهم العشرة آلاف مما أثّر حكمًا على الإستهلاك الذي تمّ تعويض قسم منه (نقص الإستهلاك الناتج من صرف العُمّال) من خلال تحاويل المُغتربين. وضع المالية العامّة ليس بأفضل مع تعاظم كتلة الأجور وخدمة الدين العام من سنة إلى أخرى وذلك بغياب النمو الاقتصادي والإدارة الرشيدة للإنفاق العام. وهذا بالطبع ينعكس زيادة في الديّن العام الذي فاق الـ 77 مليار دولار أميركي حتى تاريخه. كل هذا في ظل ضغط اجتماعي لإقرار سلسلة الرتب والرواتب وغياب موازنة 2017 مع العلم أننا أصبحنا في نصف العام. ويبقى السؤال عن آفاق الاقتصاد اللبناني وماليته العامّة في ظل سيناريو إقرار قانون الإنتخاب ومعه مشروع موازنة العام 2017؟ الأشهر الستة الأولى من العام 2017 لم تكن على مستوى الآمال المعقودة عليها من المواطن اللبناني خصوصًا بُعيد إنتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة. فمُعظم المؤشرات الإقتصادية استمرّت بانحدارها على مثال الصادرات الصناعية التي تراجعت قيمتها في شهري كانون الثاني وشباط من هذا العام (372.6 مليون دولار أميركي) نسبة إلى نفس الفترة من العام 2016 (422.3 مليوناً) مع انحفاض حاد في شهر شباط قارب الـ 40% نسبة إلى شباط 2016.على صعيد سوق العمل، تبقى الأمور على حالها في النصف الأول من هذا العام مع تطور جديد وهو مضاربة النازحين السوريين للمعامل اللبنانية، وهذا الأمر سيستمر حتى تنجلي الصورة عن الأزمة السورية. ومن المُتوقّع أن يتخطّى العجز في موازنة العام الحالي السبعة مليارات دولار أميركي مع تأخرّ إقرار الموازنة، غياب الإصلاحات فيها، إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وفرض سلّة ضريبية على الاستهلاك من شأنها تراجع هذا الأخير وبالتالي مداخيل الدولة. أضف إلى ذلك لم تحوِ الموازنة على سياسة تقشّفية مما يعني أن الإنفاق سيكون حكمًا أكبر من إنفاق العام الماضي. اليوم ومع احتمال إقرار قانون الإنتخاب النسبي بـ 15 دائرة، يُطرح السؤال عن مصير مجلس النواب الحالي خصوصًا أن ولايته تنتهي في 20 حزيران الجاري وبالتالي هناك احتمالان: الأول (مُستبعد) وينصّ على فراغ في مجلس النواب حتى إجراء الإنتخابات النيابية والثاني ينصّ على التمديد للمجلس حتى إجراء الإنتخابات. وفي ظل الاحتمال الثاني هناك استحالة على مجلس النواب في ظل العقد الإستثنائي بموضوع واحد – أي قانون الانتخاب– إقرار مشروع الموازنة. مما يعني أن الموازنة لن تُقرّ قبل نهاية ولاية هذا المجلس، وبالتالي فإن الغموض في شأن المالية العامّة سيستمرّ خلال الفترة القادمة (أقلّه حتى شهر أيلول 2017). هذا الغموض سيضرب ثقة المُستثمرين الذين لن يسحبوا استثماراتهم في أحسن الأحوال أو سيعمدون إلى سحب هذه الإستثمارات كليًا في أسوأ الأحوال. أمّا على صعيد الموسم السياحي، فمن المُتوقّع أن يكون هناك غياب للسائح الخليجي مع تردّي العلاقات اللبنانية – السعودية. في المقابل سيكون هناك تعزيز لحضور المُغتربين اللبنانيين الذيي سيزيد عددهم، لكن هذه الزيادة في العدد لن تُعوّض النقص الناجم عن إنفاق السياح الخليجيين. على صعيد الاستثمارات لن تعود ثقة المُستثمر الأجنبي والعربي إلا بعد أن تتمّ الإنتخابات النيابية وتتبيّن معالم الأزمة السورية التي مهما حاول لبنان النأي بنفسه عنها، تُلقي بظلالها على الساحة السياسية والاقتصادية. ويبقى الغموض الأكبر الذي يلف الاقتصاد اللبناني هو تنفيذ العدو الإسرائيلي لتهديداته. ففي هذه الحالة سيكون هناك ضربة قوية على الإقتصاد اللبناني قد تزيد من عجز موازنته بشكل كبير وتقضي على أي آمال بنمو هذا العام.

 رابط النهار  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.