ماذا يعني إنسحاب الولايات المُتحدّة الأميركية من معاهدة باريس؟

0

وفىّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوعده الإنتخابي وقرر الإنسحاب من معاهدة باريس حول المناخ والإنبعاثات الحرارية. فما هي تداعيات هذا الإنسحاب وهل يُشكّل هذا الأخير نهاية معاهدة وقّع عليها 194 بلد؟
في العام 2015، تمّ التوقيع في باريس على معاهدة بشأن تغيّر المناخ من خلال الحدّ من إرتفاع درجة حرارة كوكب الأرض ولجمها على مُعدّل لا يزيد عن 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية. وقد قامت 195 دولة بالتوقيع هلى هذه المُعاهدة (كل دول العالم بإستثناء سوريا ونيكاراغوا) و147 دولة قامت بالتصديق عليه في برلماناتها و146 دولة بدأت بتطبيقه.
وقعت الولايات المُتحدّة الأميركية معهدة باريس المنُاخية وصدّقتها وبدأت بتفيذ بنود الإتفاق في العام 2016. وحذت الصين حذو الولايات المُتحدة الأميركية حيث من المُلفت أن التوقيع والتصديق والبدء بالتنفيذ تمّت بتواريخ مُطابقة لتواريخ التوقيع والتصديق وبدء التنفيذ في الولايات المُتحدة الأميركية.أمّا لبنانفهو من الدول التي وقّعت على المعاهدة في 22 نيسان 2016 لكنه لم يُصدّقه حتى الساعة.
تُعتبر الصين من أكبر المُلوثين في العالم مع 10,357ميغاطن إنبعاثات من ثاني أوكسيد الكربون. وتأتي الولايات المُتحدّة الأميركية في المرتبة الثانية مع 5,414 ميغاطن، والهند في المرتبة الثالثة مع 2,274 ميغاطن، وروسيا في المرتبة الرابعة مع 1,617 ميغاطن (أرقام العام 2015). ويأتي لبنان في المراتب ما قبل الأخيرة مع 23 ميغاطن. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار حجم الإنبعاثات من ثاني أوكسيد الكربون، نرى أن الولايات المُتحدة الأميركية تحتلّ المرتبة الأولى مع 17 طن سنويًا للفرد الواحد تليها روسيا مع 11 طن واليابان مع 10 طن، والصين مع 8 طن. وهذا يدلّ على أسلوب المعيشة المُفرط في إستخدام الطاقة المُلوّثة.

أمّا إذا أخذنا بعين الإعتبار الناتج المحلّي الإجمالي فنرى أن روسيا تحتل المرتبة الأولى مع 1.18 ميغاطن لكل مليار دولار ناتج محلّي إجمالي تليها الهند مع 1.09 ميغاطن، والصين مع 0.94 ميغاطن. وهذا الأمر يدلّ على تخلّف الماكينة الإقتصادية في الدول النامية فيما يخصّ منع الإنبعاثات الحرارية.
من هذا المُنطلق ركّزت معاهدة باريس على نقطتين أساسيتين: الأولى تطال خفض الإنبعاثات الناتجة على الماكينة الإقتصادية والثانية خفص الإنبعاثات الناتجة عن سلوك المواطن الإستهلاكي. 
يأتي قرار الولايات المُتحدّة الأميركية أو بالأحرى قرار إدارة الرئيس ترامب كنتيجة لحسابات جيومناخية وجيوسياسية ترى فيها إدارة ترامب أن الولايات المُتحدة الأميركية هي الخاسر الأكبر من تطبيق الإتفاقية.

حسابات إقتصادية وراء الإنسحاب من المُعاهدة
مع شعاره الإنتخابي الشهير “أميركا أولًا”، يتبيّن أن قرار الإنسحاب إتُخِذَ منذ وصول الرئيس ترامب إلى سدّة الرئاسة وبالتالي لم يكن إعلانه الإنسحاب من المُعاهدة مُفاجئة لأحد. وبحسب ترامب، فإن مصلحة الولايات المُتحدة الأميركية تمرّ قبل مُحاربة إرتفاع حرارة الأرض. الجدير بالذكر أن دونالد ترامب لا يعتقد أن الإنبعاثات الحرارية هي المسؤولة عن رفع درجة حرارة الأرض ويعزو هذا الأمر إلى مؤامرة صينية بهدف ضرب الإقتصاد الأميركية (تغريدة على تويتر في العام 2012).
وبالنسبة لترامب فإن معاهدة باريس مُكلفة على الإقتصاد الأميركي من ناحية الوظائف ويعتبر أن القيود على الصين والهند غير كافية. لكن عن أي كلفّة يتحدّث الرئيس ترامب؟
بحسب المُعاهدة، تتعهّد الولايات المُتحدّة الأميركية بخفض إنبعاثاتها الحرارية من 28% إلى 26% بحدود العام 2025. وهذا يعني أن هناك إٍستثمارات على الولايات المُتحدة الأميركية أن تقوم بها بهدف التوجّه أكثر نحو الطاقة المُتجدّدة مما يعني عشرات المليارات من الدولارات التي سيُحرم منها القطاع الصناعي الأميركي في المدى القصير لحساب عائدات (غير أكيدة) على المدى المتوسط والبعيد. وبالتالي وبحسب نظرة ترامب هذا الأمر سيُعطي أفضلية للصين والهند التي تُشكّل المُنافس الأول للولايات المُتحدة الأميركية من ناحية الإنتاج الصناعي.
على صعيد أخر مع بزوغ فجر النفط الصخري في الولايات المُتحدة الأميركية، فإن تطبيق معاهدة باريس سيكون له تداعيات على هذا القطاع من ناحية لجم نموّه وهو الذي يُوفّر العديد من فرص العمل في الولايات المُتحدة الأميركية، ثمنّ لن يقبل ترامب بدفع إنتخابيًا عند إنتهاء ولايته الرئاسية.
وتنصّ المُعاهدة أيضًا على أن تقوم الدولّ المُتقدّمة صناعيًا بنقل التكنولوجيا إلى الدول النامية بهدف مساعدتها على خفض إنبعاثاتها الحرارية وهذا يعني بالنسبة لترامب إعطاء الصين والهند أفضلية من ناحية تقديم التكنولوجيا بشكل شبه مجّاني لها.
أخيرًا نصّت المعاهدة على أن تقوم الولايات المُتحدّة الأميركية بتمويل المشروع على مستوى 18 إلى 20% من الكلفة الإجمالية. وهذا يعني حرم الإقتصاد الأميركي من هذه الإستثمارات.
كل هذه الأسباب دفعت بترامب إلى سحب الولايات المُتحدّة الأميركية من هذه المًعاهدة.

هل هذا يعني نهاية المُعاهدة؟
الجواب صعب لكن يُمكن التأكيد أن هدف المعاهدة – أي خفض إرتفاع الحرارة إلى أقلّ من درجتين مئويتين على المدى المُتوسط أصبح في خبر كان. وبالتالي فإن إرتفاع لدرجة حرارة الأرض إلى 3 درجات مئوية هو أمر شبه أكيد.
والصعوبة الأكبر تكمن في كيفية إقناع الدول النامية مثل الصين والهند وروسيا بالإلتزام بتطبيق المعاهدة في حين أن الولايات المُتحدة الأميركية لا تُطبّقها خصوصًا أن النمو الإقتصادي في هذه الدولّ يعتمد بشكل أساسي على قطاعات إنتاجية تُصدر إنبعاثات حرارية بشكل كبير.
أيضًا هناك مُشكلة تمويل المشروع والذي سيواجه تأخير كبير في تنفيذه لحين تأمين بديل عن الحصة الأميركية. إضافة إلى ذلك، يبقى السؤال من سيلعب دور المُحرّك في تطبيق المُعاهدة مع العلم أن إدارة الرئيس أوباما لعبت هذا الدور في الماضي.
يبقى القول أن المادّة 28 من المُعاهدة تفرض أن تمرّ فترة سنوات منذ دخول المُعاهدة حيّز التنفيذ قبل أن تتمكّن دولة من الخروج من المعاهدة وهذا يعني أن أمام الولايات المُتحدة الأميركية فترة سنوات. هذه الفترة سيستغلّها مناصرو المُعاهدة لإقناع الرأي العام الأميركي بأهمية هذه المُعاهدة للولايات المُتحدة الأميركية وللعالم أجمع.
رابط الإقتصاد 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.