إقرار السلسلة ضرورة للسلم الإجتماعي

0

أيام مضت على إعلان لائحة الضرائب في مشروع موازنة العام ٢٠١٧، حتّى أخذت الأسعار منحى تصاعدي حيث بدأت بعض القطاعات برفع الأسعار بنسب تُقارب الـ ١٥٪.  هذا الإرتفاع سيستمر حتّى في ظلّ فرضية سحب السلسلة من مشروع الموازنة وسلّة الضرائب المواكبة لها. من هنا تأتي أهمية إقرار مشروع السلسلة لتخفيف الضغط الإقتصادي والإجتماعي على لبنان ولكن بمداخيل غير ضريبية.  كلفة السلسلة بحسب السلطات الرسمية ٢٤٠٠ مليار ليرة لبنانية سنويًا (بدون مفعول رجعي) منها ١٢٠٠ مليار ليرة يتمّ دفعها حاليًا وهي عبارة عن غلاء المعيشة. والباقي – أي ١٢٠٠ مليار ليرة لبنانية – والتي هي عبارة عن رفع الحدّ الأدنى للأجور هي التي يتمّ الحديث عنها حاليًا في مشروع موازنة العام ٢٠١٧. غلاء المعيشة تمّ إقراره من دون أي تمويل وهذا خلق عجز في الموازنة في الأعوام الماضية وسيستمر في ظل غياب نمو إقتصادي. التعامل مع سلسلة الرتب والرواتب، لم يكن على المُستوى المطلوب من ناحية أن غياب القرار بإقرارها أو عدم إقراراها، أدّخل غموضًا كبيرًا في الأسواق كان له، وما زال، تدعيات سلبية على الأسعار التي ترتفع في كل مرّة يُثار الحديث. فسلّة الضرائب المطروحة في مشروع الموازنة هي السلّة التي بدأ الحديث عنها في العام ٢٠١٢ في ظلّ ظروف إقتصادية مُغايرة للواقع الحالي. وبالتالي فإن إقرار هذه السلّة حاليًا سيضرّ بالإقتصاد والمالية العامّة على حدٍ سواء. هذا الأمر لا يعني أنه لا يجب إقرار السلسلة، لا بل على العكس إن عدم إقرار السلسة حاليًا سيرفع الأسعار في ظلّ فرضية أن السلسلة ستُقرّ في المُستقبل وبالتالي فإن أرباب العمل سيعمدون إلى رفع أسعار كل السلع والخدمات بهدف التحوط لمفعول رجعي في المُستقبل. أيضًا، وبحسب تصريحات هيئة التنسيق النقابية، التي ستجتمع اليوم في الخامسة عصرًا، التوجّه هو نحو التصعيد وحتى “توقيف” العام الدراسي. وبالتالي ومع إقتراب الانتخابات النيابية، سيكون من الصعب على الحكومة أن ترعى السِلم الإجتماعي إذا لم يتمّ إقرار سلسلة الرتب والرواتب. عجز الموازنة في مشروع العام ٢٠١٧ هو ٥.٢ مليار دولار أميركي (بإعتقادنا الحقيقي سيكون بحدود الـ ٧ مليار دولار أميركي). وبالتالي فإن كلفة السلسلة التي هي ٨٠٠ مليون دولار أميركي لن تُغيّر جذريًا بموضوع العجز الذي يبقى بمستويات عالية نسبة لإمكانات الدوّلة اللبنانية. السلّة الضريبية المُقترحة في مشروع موازنة العام ٢٠١٧ هي سلّة غير منطقية في الإطار السياسي والإقتصادي والمالي والإجتماعي الحالي. فرفع الضريبية على القيمة المُضافة من ١٠٪ إلى ١١٪ سيكون له مفعول تضاعفي على الأسعار التي سترتفع حكمًا بشكل مباشر نتيجة رفع الضريبية ولكن أيضًا بشكل غير مباشر نتيجة رفع أسعار المحروقات التي ستؤدّي إلى تضخّم ضمني (implied inflation) وهذا الأمر خطير في ظل الظروف الإجتماعية حيث سنرى إرتفاعًا في النقل وأقساط المدارس، والمولدات الخاصة، والخبز وكل المواد الأساسية (وهي تُشكّل نسبة كبيرة في موازنة العائلات الفقيرة). لذا سنشهد ظاهرة تفقير في المُجتمع اللبناني حيث ولأول مرّة سيكون لسياسة الحكومة اللبنانية المالية تداعيات سلبية مباشرة على الشق الإجتماعي، وبالتالي من المُمكن عودة التحرّك المدني إلى الشوارع ولكن هذه المرّة بزخم أكبر. العقدة تكمنّ في تحديد إيرادات لا تمس الطبقات الفقيرة والمُتوسطة كما والنشاط الإقتصادي للشركات. وبالتالي فإن عددًا من الإقتراحات مُمكنة لكن في ظل إلتزام الحكومة بإجراء إصلاحات في المقابل تسمح بضبط الفلتان في المالية العامّة. إذًا نرى أن الحكومة أصبحت مُقيّدة بثلاثة قيود: إقرار السلسلة، عدم فرض ضرائب على المواطن والشركات، وإجراء إصلاحات. هذه الثلاثية يُمكن إحترامها من خلال البحث عن مداخيل لا تتعلّق بالنشاط الإقتصادي والقيام بخطوات إصلاحية. على صعيد المداخيل، يُمكن للدوّلة اللبنانية تحسين إيراداتها من خلال: ١- مُكافحة التهرب الضريبي والذي يشمل التهرب الجمركي، التهريب عبر الحدود، التهرب من الضرائب على الدخل، التهرب من الضريبة على القيمة المُضافة. وهذا الأجراء وحده إذا ما تمّ ضبطه بشكل جدّي يُمكّن الدولة من تحصيل مداخيل بقيمة تفوق الـ ٥ مليار دولار أميركي (١٠٪ من الناتج المحلّي الإجمالي). ٢- تفعيل جباية فواتير المؤسسات الرسمية مثل فواتير الكهرباء والتلفون والرسوم المالية وغيرها والتي تصل إستحقاقاتها إلى أكثر من ٤.٥ مليار دولار أميركي حتى يومنا هذا! ٣- إستغلال العقارات الشاغرة للدوّلة اللبنانية عبر تأجيرها أو نقل الوزارات والمؤسسات الحكومية إليها (في بيروت وحدها هناك ما يزيد عن ٢٣٠ عقار شاغر). ٤- الغرامات على الإشغال غير الشرعي للمتلكات البحرية والنهرية وخط سكة الحديد كما ورد في مشروع الموازنة يبقى بعيدًا عن الإقتراح الجدّي من ناحية أن مدخول هذا البند لوحده يفوق الـ ٣ مليار دولار أميركي. فكيف يُمّكن لـ ٢٧ إجراء ضريبي أن يؤمنّوا مدخول ٢٤٠٠ مليار ليرة لبنانية فقط؟ من البديهي القول إنه يتوجب على الحكومة توضيح هذا البند (رقم ١٧ في فذلكة الموازنة) لكي يكون واضحًا ماذا تقصد بالتسعيرة الرسمية. ٥- مراقبة وضبط التخمين العقاري الذي يحرم خزينة الدوّلة من الكثير من الأموال بدل زيادة الضريبة على العمليات العقارية مما يعني أن التهرّب سيزيد أكثر وبالتالي لن يكون هناك جدوى من هذا البند. ٦- مراقبة وضبط مواقف السيارات التي من خلال الأموال النقدية الطائلة التي تتعاطى بها، تحرم الخزينة من مدخول يوازي نصف سلسلة الرتب والرواتب. بالطبع هذه اللائحة ليست محدودة ويُمكن شملها كل الأماكن التي يشوبها الهدر والفساد. التدعيات في مشروع الموازنة ستكون زيادة أرقام المداخيل في البنود المُتعلّقة بإيرادات الدولة دون أن يكون هناك رفع للضرائب، أي أننا سنشهد مشروع الموازنة بإيرادات أعلى. لكن بالطبع يتطلّب هذا الأمر موافقة القوى السياسية وتضامنها في هذا الإطار. على صعيد الإصلاحات، يُمكن الجزم أن الوضع لا يُمكن أن يستمرّ على ما هو عليه. فتآكل الوضع المالي يُقلّل من هامش تحرّك السلطة السياسية خصوصًا في التوظيف العشوائي. حيث نرى أن كتلة الأجور التي تستهلك أكثر من نصف مدخول الدولة اللبنانية أصبحت تُشكّل تحدٍ واضح إن من ناحية إستمرار التوظيف أو من ناحية رفع الحدّ الأدنى للأجور. لذا وبإعتقادنا، فإن موجات التوظيف العشوائية (تثبيت كمّيات كبيرة من الأجراء) لن تعود مُمكنة في الآمد المتوسط إلى البعيد. هذا الأمر يفرض دخول مرحلة جديدة من التعاطي مع أداء الموظف العام حيث يتوجّب على الحكومة بالتفكير بـ Change Management من خلال مكننة العمل (e-governement) ولكن أيضًا من خلال الدفع على أساس الكفاءة. هذا الأمر يُعيدنا إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي كان قد بدأ مثل هذا التغيير. الإصلاحات يجب أن تتطال هيكلة الإنفاق العام الذي وبغياب الإنتاجية سيتحوّل إلى كارثة. وإذا كان البعض يُعوّل على مداخيل النفط لتغيير الواقع، فإننا نقول إن الأمر ليس بالسهل خصوصًا أن الوضع يتطلّب معطيات جيوسياسية جديدة وإلا لن نرى إستخراج للغاز والنفط اللبناني في العقدين القادمين. لذا يتوجب إعادة النظر في عملية الإنفاق الجاري ومحاربة الهدر في كل الوزارات والمؤسسات العامة والمرافق العامّة، وهذا ما لا نجده في مشروع موازنة ٢٠١٧ حيث يتمّ رصد أموال لمؤسسات عامّة مُتوقفة منذ عقود! إننا إذ نرى ضرورة في إقرار سلسلة الرتب والرواتب كضمانة للسلم الإجتماعي، نرى أن تمويلها من الضرائب سيجلب الخراب المالي وبالتالي نتمنّى على الحكومة رفض سلّة الضرائب المُقترحة في مشروع الموازنة على أن يتمّ تمويل السلسلة من البنود المُقترحة أعلاه.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.