لبنان في منأى عن سياسة ترامب… فهل يفيد من عواقبها على الدول؟

0

سلوى بعلبكي

عندما سئل السيناتور جون ماكين عن رأيه بأحد تصريحات الرئيس الجديد دونالد ترامب، قال: “لقد توقفت منذ فترة عن التعليق على كل ما يقوله الرئيس”. هذا الموقف لماكين لم يكن من فراغ، اذ جاء بعد مواقف عدة للرئيس الاميركي والتي كانت في معظمها مثيرة للجدل ووضعت بلاد العم سام في مواجهة العالم اقتصادياً وسياسياً.

اذا كانت سياسة ترامب تميّزت بالغموض عموماً، وفي حين أنه وفى بوعود كان قد أطلقها خلال حملته الانتخابية، الا أن الوعود الاساسية لم تتحقق حتى الساعة، لا بل على العكس ثمة وعود قد يضطر ترامب الى التخلي عنها نظراً الى أبعادها الاقتصادية والسياسية.
فالسياسة الاقتصادية التي جاهر ترامب باتباعها وخصوصاً حيال اقتناعه بأن الاستدانة هي أساس النمو الاقتصادي (Leverage)، وكذلك بشأن وعوده بمشاريع بنى تحتية وبناء جدار بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك، زادت من مخاوف خبراء الاقتصاد من تداعيات هذه السياسة على مستوى الاستدانة الأميركية كما على الدولار، وتالياً على سوق الأسهم في الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن بعد مرور أكثر من 3 أسابيع على تسلّم ترامب سدّة الرئاسة، ثبت أن هذه المخاوف لم تكن في محلها، بدليل ارتفاع الدولار الأميركي في مقابل سلة من العملات الكبرى. وهذا الأمر يعود وفق ما يقول الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة الى الوعود التي أطلقها ترامب باصلاح السياسة الضريبية التي ستعلن في الأسابيع المقبلة وتخليه (الموقت) عن بناء الجدار الفاصل مع المكسيك، بما أثّر على الاستثمارات في أسواق الأسهم في الولايات المتحدة التي بلغت ذروتها مع وصول مؤشر الأسهم الأميركية الى أعلى المستويات.
هذا الواقع الذي فرضه ترامب عبر تأثيره على ثقة المستثمرين (أساس النمو الاقتصادي)، دفع عجاقة الى القول “ان الاقتصاد الأميركي سيشهد حكماً نمواً في سنة 2017 كنتيجة لارتفاع الاستثمارات التي تمّ جذبها بوعدين أساسيين: خفض الضرائب (أي جذب الاستثمارات والاستثمار في البنى التحتية التي لها مفعول أساسي على البطالة، وتالياً على الاستهلاك)”.
وعلى الرغم من ايجابيته المطلقة، فان لتحسن الاقتصاد الأميركي تداعيات سلبية على اقتصادات الدول الأخرى وخصوصاً الدول النامية والدول المنتجة للبترول. ويفسّر عجاقة ذلك، بالاشارة الى أن ارتفاع الدولار الأميركي سيدفع الاحتياطي الفيديرالي الأميركي الى رفع أسعار الفائدة على الدولار، وهذا الأمر ستكون له تداعيات سلبية على الاستثمارات في الدول النامية خصوصاً تلك التي تربط عملتها بالدولار الأميركي.
تجارياً، تشكل سياسة ترامب الحمائيّة مشكلة كبيرة على الاقتصادات العامية خصوصاً أن الولايات المتحدة هي الوجهة الرئيسية لمعظم السلع والبضائع وفي مقدمها النفط الذي وعد ترامب بفرض ضريبة على استيراده. لكن على الرغم من هذا الاتجاه يبقى ترامب ملزماً بالاتفاقات التجارية الدولية وخصوصاً قواعد منظمة التجارة العالمية، الاّ اذا قرر الانسحاب منها مثل انسحابه من معاهدة المحيط الهادئ، وهذا ما يستبعده عجاقة. سياسة ترامب… لبنانياً
وكردّة فعل على سياسة ترامب، ثمّة من يتوقع بأن يبدأ موسم هجرة الأموال الاسلامية من الولايات المتحدة الأميركية الى دبي أو لبنان. الاّ ان التوقعات حيال لبنان ليست واقعية وتبقى برأي عجاقة محدودة لسببين: الاول اقتصادي ويعود الى ارتفاع الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية في مقابل ضعف الاقتصاد اللبناني. والثاني سياسي، اذ لا يبدو واضحاً حتى الآن أن دول الخليج استطاعت استمالة لبنان الى جهتها. من هنا يمكن القول ان هذه الأموال ستفضّل ايداع اموالها في دبي وليس في بيروت في حال قررت هجرة الولايات المتحدة.
لبنانياً، يأتي ارتفاع سعر الفائدة في الولايات المتحدة ليضغط على المالية العامة وخصوصاً على الليرة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من حال ركود. هذا الأمر وفق ما يقول عجاقة يمكن تفاديه موقتاً بفضل سياسة حاكم مصرف لبنان، الا أن استدامة هذا الفارق في أسعار الفائدة اضافة الى الغموض السياسي الذي يشوب قانون الانتخاب سيشكلان قفزة كبيرة في مستوى العجز في موازنة الدولة اللبنانية. ويلفت الى أن مثلث عدم التوافق (أو مثلث مانديل) ينص على أن بلداً معيناً لا يستطيع أن يستحصل على 3 أمور في الوقت عينه: سعر صرف ثابت، حرية تنقل رؤوس الأموال، وسياسية نقدية مستقلة. وفي حالة لبنان، يرى عجاقة أن سعر الصرف ثابت، اضافة الى حرية تنقل رؤوس الأموال يعني أن لبنان لا يمتلك سياسة نقدية مستقلة. وهنا المشكلة برأيه، اذ أن الدورة الاقتصادية اللبنانية ليست متناغمة مع الدورة الاقتصادية الأميركية، مما يعني أن على لبنان العمل على وقف النزف السياسي وبدء الاصلاحات الاقتصادية في أسرع وقت ممكن.
وفي حين يشكل ارتفاع سعر الدولار عاملاً للحد من كلفة الاستيراد على الاقتصاد اللبناني، الا أنه سيضر بالصادرات اللبنانية بحكم ارتباط العملة اللبنانية بالدولار الأميركي. ولكن العامل الايجابي برأي عجاقة هو “ان حجم الصادرات الأميركية (209 مليارات دولار) أقل بكثير من الاستيراد (17 مليار دولار)، بما يعني أن ما سيربحه لبنان نتيجة خفض الكلفة الاستيرادية أكبر مما سيخسره نتيجة تراجع الصادرات”.
ولأن العلاقات التجارية اللبنانية مع الولايات المتحدة محدودة، ومع الاخذ في الاعتبار سياسة ترامب تجاه لبنان الذي قد تعفيه من القيود التجارية، فان عجاقة لا يرى أي تأثير لسياسة ترامب الحمائيّة على لبنان.

رابط النهار 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.