هل من تأثير لصيغة قانون الإنتخاب على النمو الاقتصادي؟

0

يعيش لبنان على هامش الاتصالات والاجتماعات المُتعلّقة بصياغة قانون إنتخاب جديد. وعلى الرغم من مرور سنين على مناقشة هذا الموضوع، إلا أن الطبقة السياسية لم تتوصّل حتى الساعة إلى صيغة تلائم الأحزاب. فما هي تداعيات صيغة القانون على النمو الاقتصادي وعلى التنمية الاقتصادية؟ 

موقع مون ليبان | بروفسور جاسم عجاقة

سياسة التعطيل في لبنان هي من أكثر السياسات التي مارسها لبنان في العامين الماضيين. وكلنا يتذكّر ما آلت إليه نتائج هذه السياسة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والمالية. وبالتالي فإن عدمّ التوصل إلى قانون إنتخاب قد يُدخل لبنان من جديد في دوامة التعطيل والفراغ ومعه الاقتصاد اللبناني والأخطر المالية العامّة. وهذا الأمر يدفعنا إلى طرح السؤال إذا ما كان هناك أبعاد اقتصادية لصيغة القانون أو أن العملية تبقى في إطار سياسي بحت تتقاسم فيه القوى السياسية السلطة.

المؤسسات العامّة كما يراها الاقتصادالمؤسسات العامّة هي عبارة عن هيكليات تنظيمية تحوي مجموعة من القواعد الرسمية لمُجتمع مُعيّن. هذه القواعد منصوص عليها فيما يُسمّى الدستور، القوانين والمراسيم كما والتطبيقات غير الرسمية مثل الأعراف والتقاليد والمناهج السلوكي. هناك خمسة أشكال لهذه المؤسسات التي تؤثّر على النمو والتنمية الإقتصادية والإجتماعية:

١- المؤسسات التي تخلق الأسواق: هذه المؤسسات لها دور أساسي في إحترام العقود، وحماية الملكية، ومحاربة الفساد. وغياب هذه المؤسسات يؤثّر سلبًا على عمل الأسواق في حين أن تدعيمها يؤدّي إلى تحفيز الإستثمارات ودعم فكر المقاول وخلق الشركات خصوصًا لدى الشركات الأجنبية ولدى الشباب اللبناني. وكمثال لهذه المؤسسات يُمكن ذكر القضاء النزيه وقوى أمنيّة فعّالة.

٢- المؤسسات التي تُنظّم الأسواق: وتنصّ مهامها على إدارة الخلّل في الأسواق (imperfection of information)، وبالتالي فإن هذه المؤسسات تعمل على الحدّ من قوة الإحتكار وتفّعيل إدارة الأصول العامّة. ومن هذه المؤسسات يُمكن ذكر لجنة الرقابة على المصارف، هيئة الأسواق المالية، هيئة تنظيم قطاع الإتصالات، وهيئة تنظيم قطاع الكهرباء.

٣- المؤسسات التي تعمل على ثبات الأسواق: ومن مهامها لجم التضخمّ، الثبات الماكرو إقتصادي، الثبات الضريبي، وتفادي الأزمات المالية. ونذكر منها وزارة المالية، مصرف لبنان، وزارة الإقتصاد، والجمارك.

٤- المؤسسات التي تُشرّع الأسواق: وتنصّ مهامها على تأمين حماية إجتماعية وإعادة توزيع للثروات وإدارة الأزمات الاجتماعية وبالتالي فهي تحمي المواطن والمجتمع من خلّل الأسواق. ومن هذه المؤسسات، وزارة العمل والضمان الإجتماعي.

٥- المؤسسات السياسية: ولها دور أساسي في تحديد أُطر حوكمة المُجتمع كالصحافة الحرّة، الإنتخابات، المنافسة المشروعة بين الأحزاب السياسية… وكلّها لها تأثير على الأسواق من ناحية أنها تلعب دور أساسي في تحديد الخلّل في الأسواق. ومن هذه المؤسسات يُمكن ذكر رئاسة الجمهورية، المجلس النيابي، ومجلس الوزراء.

تأثير نوعية المؤسسات على النمو الإقتصاديهناك علاقة إيجابية قوية (strong correlation) بين النمو الإقتصادي ونوعية المؤسسات (quality of institutions). هذه العلاقة تمّ تثبيتها وذلك من خلال المؤشّرات التالية: قوة دولة القانون، نسبة الفساد، حماية الملكية، نوعية المؤسسات، الحوكمة في هذه المؤسسات وغيرها من المعايير. وما حال لبنان إلا أكبر إثبات على صحّة هذه العلاقة حيث أن ضعف دولة القانون وإزدياد نسبة الفساد أدّيا إلى تراجع الإقتصاد اللبناني هيكليًا وظرفيًا.

أضف إلى ذلك أن الحوكمة الرشيدة في المؤسسات العامّة تؤدّي إلى تحسين مناخ الإستثمار وبها دور كابح في للمخاطر التي تُرافق الإستثمارات، مما يرفع من ربحية المشاريع. وتُعدّ حماية الملكية شرط أساسي لإستدامة الإستثمارات من ناحية أن المُستثّمر يضمن ملكيته وبالتالي يعمد إلى الإستثمار على الآمد البعيد (الأملاك البحرية والنهرية). أيضًا يُمكن القول إن القضاء النزيه له تأثير إيجابي أساسي على خيارات المُستثمرين لأن الإطارالقانوني واضح ومعروف مُسبقًا.

المؤسسات العامّة القوية تُساهم بشكل كبير في تحديد السياسات العامّة الفعّالة، وتسمح بتراكم عوامل الإنتاج وبالتالي النمو الإقتصادي. فمثلًا وزارة إقتصاد فعّالة قادرة على طرح خطّة إقتصادية ملائمة، كما أن وزارة مال قويّة قادرة على طرح سياسة ضريبية مؤاتية، وإدارة جمّركية كفوئة قادرة على طرح سياسة جمركية تتناسب والأوضاع الإقتصادية.

نوعية المؤسسات العامّة التي تُقاس من خلال الفساد، والحوكمة الرشيدة، ونوعية السياسات المطروحة، هي الأساس في تحديد النمو، وكل العوامل الأخرى تبقّى محدودة التأثير. وشكل المؤسسات، أي تركيبتها التظيمية، لا يهمّ بقدر ما يهمّ ملائمته للواقع القائم، وبالتالي فإن الإصلاحات هي حيوية للحفاظ على تقارب بين هذه المؤسسات والواقع بهدف الحفاظ على نموٍ مُستدام. ولا يجب نسيان الدور الأساسي للمؤسسات السياسية في إدارة البنى التحتية والفوقية وإدارة التبادل التجاري مع الخارج.

الأعراف في لبنان أهمّ من القوانينإن المؤسسات الرسمية وغير الرسمية (informal) في لبنان تعملّ ضمن آلية هجينة حيث جرت العادة بتركيبات مُعيّنة للحفاظ على التوازن الإجتماعي والسياسي. وهذا ما يدفع المؤسسات غير الرسمية إلى فرض قواعد على المؤسسات الرسمية التي تُصبح قوانين (الأعراف هي مصدر القوانين الوضعية). وفي بعض الأحيان تأتي الأعراف في لبنان لتحتل المرتبة الأولى في هيكلية القوانين قبل الدستور حيث أنه بحجّة التوازن الاجتماعي والسياسي، يتمّ أخذ قرارات مُخالفة للدستور.

من كل ما تقدّم، نرى أن صياغة قانون إنتخابي جديد في لبنان هو شكل من أشكال الصراع بين الأحزاب (وليس الطوائف) على السلطة. وبالتالي مهما كانت صيغة القانون الذي سيتمّ إعتماده، من دون نوعية في المؤسسات العامّة لن يكون هناك نمو إقتصادي ولا تنمية إقتصادية ولاإجتماعية.

مصدر موقع مون ليبان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.