طرابلس بين الفقر والحرمان…لا تثق بقياداتها

0

لا يختلف اثنان على أن وضع الحرمان الاستثنائي الذي تعاني منه مدينة طرابلس في شمال لبنان، بدأ يكوّن حالة “قرف” بين الناس، وحالة كفر بأرباب الزعامة المزيفة، الذين استغلوا الشباب الشمالي حدّ الاستنزاف، ثم باعوهم على مفترق المصالح الضيقة. وهي الحالة التي يُتوقع بأن تجعل من معركة طرابلس أم المعارك الانتخابية ، والتي يُعوّل عليها الوقت نفسه لأن تكون حافزاً لمقاطعة عدد كبير من الشماليين الانتخابات النيابية المقبلة.

يتجلى الفقر وعوامله في البيئة الطرابلسية أرقاماً مخيفة في دراسةٍ أعدتها المفكرة القانونية عن التسرب المدرسي وعمالة الاطفال والأمية التي تعاني منها طرابلس، مستندة بذلك الى مجموعة من الدراسات الدولية عن الموضوع.

أرقام مخيفة
تتركز الدراسة على عوامل يعززها الفقر، وهي التسرب المدرسي ، الأمية، وعمالة الأطفال (لا سيما الأطفال من عمر الـ10 سنوات) والعمالة غير العادلة في صفوف المراهقين وشباب الأحياء الفقيرة في طرابلس، البداوي والقلمون.
وحسب الدراسة تصل نسبة الفقر في طرابلس إلى 57 في المئة. والفقر هو السبب الأساسي لتعزيز عوامل اجتماعية ثلاثة، وهي ارتفاع نسب الأمية، التسرب المدرسي، العمالة غير العادلة برواتب منخفضة وبلا ضمانات في أحياء طرابلس.
وفي عمالة الأطفال تبين الدراسة أن أكثر من ثلث الأطفال العاملين في طرابلس قد بدأوا عملهم منذ ما يتراوح بين الـ7 و الـ9 سنوات، أما عمر أكثر من نصف هؤلاء الأطفال فهو بين الـ 10 و12 سنة، و 36.8 منهم يعملون بمعدل 8 و10 ساعات يوميا.
بينما لا تنحصر الأمية فقط في طرابلس، بل تتوزع على الشمال كله، وتصل إلى 8 في المئة، علماً أن نسبة الأمية في مدينة بيروت تقدر بـ 5.6 في المئة. وتشير الدراسة إلى أن أدنى نسبة للالتحاق في المدارس في لبنان في المرحلة المتوسطة تُسجل أيضا في الشمال لتصل إلى 57 في المئة، وهو المعدل الذي يوازي ضعف المعدل الوطني.
ويفنّد التقرير العوامل الرئيسية المسببة للتسرب المدرسي في مدينة طرابلس، ومن بينها بحسب بعض مدراء المدارس: تعليم المواد العلمية قبل المرحلة المتوسطة باللغة العربية، ومن ثم الانتقال إلى اللغة الأجنبية في ما بعد. ومن أهم عوامل التسرب أيضاً ما تعانيه المدارس الرسمية شمالاً، من نقص في التجهيزات، فترى غالبية المباني غير مؤهلة للتعليم أو لاستقبال التلاميذ حتى.

سياسة تجويع
وعليه، أدى كل من الفقر والأمية على مدى السنوات العشر الأخيرة لعمالة برواتب منخفضة لا تؤمن أدنى مستويات العيش الكريم، وحرمان الأطفال من طفولتهم وتحويلهم إلى عاملين وأزلام متمولين لزعماء استغلوا هذه الأوضاع ليصنعوا منهم صناديق اقتراع معلبة، وخزانا للمقاتلين وتراصف المحاور في مرحلة من المراحل .
وتشير الدراسة إلى أن طرابلس غنية لو أراد الزعماء إنعاشها اقتصاديا، فـ”يوجد في طرابلس المعرض الدولي، مصفاة نفط، منطقة البحصاص الصناعية، المنطقة التجارية الخالصة، خط نقل البضائع والملعب الأولمبي، وهي المشاريع التي لها في حال تشغيلها أن تحرك إنماء طرابلس وتخلق فرص عمل لأبناء المنطقة، إلا أن ذلك يتوقف على إرادة زعماء الشمال الجدية لتغيير الواقع المعيشي للقاعدة الشعبية الشمالية، وهي الإرادة غير الموجودة على غرار مناطق لبنان الأخرى التي تعاني الفقر والحرمان الممنهج على مبدأ سياسة تجويع الشعب ومحاربته في الجهل كي لا يخرج من تحت جناح زعيمه.

لا ثقة
وتشير مصادر طرابلسية لـ”البلد” الى أن القاعدة الشعبية الشمالية وانطلاقا من الوضع المعيشي والانمائي الأكثر من سيئ الذي تعانيه منذ سنوات، تعيش حالة من تعدد الولاءات، فجزء يؤثر مناصرة الحالة “الزعاماتية” الجديدة أي اللواء أشرف ريفي، وجزء ما زال ولاؤه للحريرية السياسية، وجزء يداوم على انتخاب رجالات طرابلس كالميقاتي والصفدي وغيرهما، وجزء يقترع في صندوق الأموال السياسية التي تدفع من بعض الأطراف لشراء الأصوات الانتخابية. أما الجزء الأكبر والأهم فهو هؤلاء الذين كفروا بكل هؤلاء، ويعيشون حالة من عدم الثقة وبالتالي عدم الولاء لقيادات الشمال السياسية كونها هي القيادات نفسها التي تركت شعبها يتخبط في جدران الفقر، البطالة، الأمية، الحرمان… والاقتتال الداخلي في مرحلة من المراحل. الأمر الذي سيُترجم نسب اقتراع قليلة كما يشير المتابعون.

محاكاة واقع وأكثر
ولا يستغرب أحمد ابن طرابلس هذه الأرقام العالية، بل يضعها في إطار محاكاة واقع هذه المدينة التي عانت وما زالت تعاني الفقر والحرمان والبطالة وعدم الإنماء، “من جراء زعماء متلهّين بخلافاتهم الشخصية مع بعضهم البعض ومنصرفين عن مسؤولياتهم تجاه الشعب وإنماء المنطقة لتطوير حياتهم الشخصيّة وإنماء حساباتهم المصرفية لا أكثر”. وإجابة عن سؤال هل ستقترع في الانتخابات المقبلة، يقول أحمد “انتخبنا ريفي في الانتخابات البلدية الماضية وكنا متفائلين به، ورأينا صنيعه في السلطات المحلية، وانتخبنا قبله في البلدية والنيابية لوائح الحريري، وخبرنا خوفهم وحرصهم على طرابلس وأهلها، فلا انتخاب من دون إنماء بعد اليوم”.
أما هدى فترى أن واقع بعض الأحياء الطرابلسية أسوأ بكثير مما تقوله هذه الأرقام، وتقول بحرقة نابعة من حبها لمنطقتها وقهرها على أبناء مدينتها “الحكي مش متل الشوفة، والرقم لا يعبر عن الذي نشعر به ولا يفسّر الواقع الذي نعيش فيه”. وتؤكد بأنها ستقاطع الانتخابات النيابية للاقتصاص ممن يحاول جاهدا ابقاء طرابلس تحت خط الفقر لأسباب سياسية خاصة. وتدعو كل الطرابلسيين إلى اعتماد هذا النهج لاسترجاع حق مدينتهم وحقوقهم من أفواه كل هؤلاء، على حد قولها.

معدلات الفقر
ولا بد من الإشارة في الختام، إلى أن هذه الدراسة تناولت عناوين عريضة وعوامل معينة عن واقع مدينة دفعت ثمناً باهظاً على مذبح صراعات الزعامات السياسية ومذبح العيش الكريم الذي لم تعرف إليه سبيلا، فما خفي كان أعظم، وإن كانت الأرقام شيئاً مرًّا فالواقع أشياء أكثر مرارة، علما أن هذه الحالة تنسحب على مناطق كثيرة من لبنان. وعن معدلات الفقر في لبنان ككل، وهي المعدلات التي يجهلها أصحاب الشأن السياسي في لبنان ويتجاهلونها بنفس الوقت، يشير الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة في حديثه لـ”البلد” إلى أنه في الـ2008 حسب دراسة للجامعة الأميركية في بيروت، لامست معدلات الفقر في لبنان الـ28 بالمئة، وحسب دراسة البنك الدولي في العام 2014 أشارت التوقعات الى ان عدد العائلات الفقيرة بعد ازمة النزوح السوري الى لبنان سيزيد بنسبة 170 الف عائلة. وبإجراء عملية حسابية سريعة يتوقع عجاقة حسب توقعات البنك الدولي أن تزداد معدلات الفقر ما يقارب الـ13,6 بالمئة، أي إن معدلات الفقر في لبنان تتراوح ما بين الـ33 والـ 35 في المئة تقريبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.