نظرة فلسفية للإرهاب

مع زيادة التطور التقني والإقتصادي في العالم، هناك زيادة في التطرّف وبالتالي الإرهاب

0

مع إرتفاع عدد العمليات الإرهابية في العالم وسقوط الضحايا، أخذت الدول تخشى نوع أخر من التهديد، الإرهاب. وأصبحت مقاربة الحرب في العالم مُختلفة حيث أن المفهوم التقليدي للحرب بدأ بالإضمحلال لصالح حرب غير تقليدية محورها مكافحة الإرهاب. فما هي أسباب تزايد عمليات الإرهاب في العالم وكيف ينظر العلم إلى هذه الظاهرة؟

ليبانون فايلز / بروفسور جاسم عجاقة

منذ إعتداءات أيلول الإرهابية في العام ٢٠٠١ في الولايات المُتحدة الأميركية، والعالم ينظر إلى الحرب بطريقة مُختلفة. فالنظر إلى الحروب التي تتالت منذ ذلك الوقت، يُظهر أن مقاربة الحرب في العالم أصبحت مُختلفة حيث أن المفهوم التقليدي للحرب بدأ بالإضمحلال لصالح حرب غير تقليدية محورها مكافحة الإرهاب. برزت كلمة إرهاب لأول مرّة في العالم في قاموس اللغة الفرنسية في العام ١٧٩٨.

وتمّ تعريف الإرهاب في ذلك الوقت كطريقة حكم (mode de gouvernance). ويُعتبر تعرض نابليون بونابرت لمحاولة إغتيال في العام ١٨٠٠، أول عملية إرهابية في التاريخ. أما أول مجموعة تمّ تصنيفها كمجموعة إرهابية، فهي مجموعة الفنيان الإيرلندية (١٨٥٨) والتي كانت تُنادي بإستقلال إيرلندا عن بريطانيا.

تعريف الإرهاب…

يُعرّف الأرهاب كإستعمال الرعب لأغراض سياسية. وعلى الرغم من إستعماله خلال الثورة الفرنسية، إلا ان إستعمال هذه العبارة تطوّر مع الوقت ليطال طرق تخويف حديثة. ولكن المُشكلة في إستعمال هذا التعبير تكمن في عدم موضوعيته، فالإرهابي بالنسبة إلى شخص هو مُقاوم بالنسبة للأخر على مثال المسلّحين الشيشان الذين يعتبرهم البعض مقاومين لروسيا، في حين تعتبرهم الأخيرة إرهابيين.

وبالرغم من عدم الموضوعية في تعريف الإرهاب، هناك تعريف نعتقد أنه الأكثر تعبيرًا من كل التعاريف الأخرى وهو: “إستخدام العنف لأغراض سياسية ضد أشخاص عُزّل لا يمتلكون إمكانية الدفاع عن أنفسهم”.

فلسفة الإرهاب.. نظرة غروس

الحرب بمفهومها التقليدي تحتوي على علاقة ضمنية بين مفهوم الحرب ومفهوم الموت، وبالتالي لا يُوجد حرب من دون قتلى أو جرحى. ومفهوم الحرب يفرض وجود فريقين مُتخاصمين يتحاربان بعتاد وعديد مُتقاربين.

والأهم هو السلام الذي يأتي بعد الحرب أي بمعنى أخر هناك تبرير أخلاقي خلف القتل وهذا التبرير يعطي شرعية للقتل بهدف تحقيق السلام. الإرهاب عبارة عن حالة تقودها مفاهيم أخلاقية تدفع إلى القيام بعمل إرهابي ولا تؤدّي إلى السلام.

هذه المفاهيم عدّدها فريدريك غروس في كتابه “دولة العنف” وهي: “تخطّي النفس”، “الطاعة”، “التضّحية”، “التمسّك”، و”التدّمير الكلّي”.

ويُبرّر غروس في كتابه العلاقة بين هذه المفاهيم والعمل الإرهابي إلى حدّ حصر أسباب العمل الإرهابي بهذه المفاهيم.

فلسفة الإرهاب.. نظرة فرويد

في العام ١٩١٦، قام فرويد في كتابه الشهير “مدخل إلى التحليل النفسي” بطرح فكرتين أساسيتين تُشكّلان نظرية علّمية لفهم ظاهرة التطرّف في العالم والتي تُولّد الإرهاب:

(١) الفكرة الأولى: يقول فرويد في كتابه أن العالم كوبرنيك ومن خلال نظريته عن الكواكب، جعل الإنسان في حالة جزئية صغيرة جدًا في هذا الكون.

(٢) أما الفكرة الثانية فتنصّ على أن داروين ومن خلال نظريته عن تطوّر الإنسان، جعل هذا الأخير أقرب إلى القرد منه إلى الله. وبحسب فرويد، التطرّف وُلد من خلال البروتستنتية الأميركية في بداية القرن الماضي كردّة فعل على العلم الذي أخذ بعلمنة المّجتمع وتطويره تكنولوجيًا مما أدّى إلى تدمير الإبداع الإنساني.

وبالتالي وإذا ما قبلنا بهاتين الفكرتين، نرى أنه مع زيادة التطور التقني والإقتصادي في العالم، هناك زيادة في التطرّف وبالتالي الإرهاب. وبالفعل، ملاحظة الأرقام تُثبت هذا القول. وما الهندسة الجينية إلا مثال مُعبّر جدًا عن التطرف الذي يخلق نتيجة البعد الأخلاقي للتغيير الجيني للإنسان والذي يوصل إلى تطرّف في سلوك المُجتمع ككل من خلال قوانينه أو من خلال ردّات فعل بعض المجموعات أو الأفراد.

فلسفة الإرهاب.. العامل الإقتصادي

هناك أيضًا أسباب أخرى تدفع إلى التطرف وبالتالي إلى الإرهاب ومنها الفقر وغياب العدالة (الاجتماعية). فملاحظة مُعظم الإرهابيين وخصوصًا تنظيم داعش، يؤدّي إلى إستنتاج أساسي أن مُعظمهم أتوا من بيئة فقيرة جدًا خضعت لغياب العدالة. والجدير بالذكر أن العامل الديني لا يدخل في فلسفة الإرهاب من ناحية أن المجموعات لم تتأسس على الدين منذ البداية بل أن وقوعها في التطرّف (رفضًا للمُجتمع والتطور) هو الذي جعلها تأخذ التفسير المُتطرّف من الكتب السماوية وبالتالي إستخدام الكتب السماوية لشرعنة عملها الإرهابي.

 واقع الإرهاب…

أخذت ظاهرة الإرهاب بإحتلال وسائل الإعلام منذ ثمانينات القرن الماضي خصوصًا مع إحتلال روسيا لإفغانستان، التحولات في النظام السياسي الصيني الذي تخلّى عن “لينينية” النظام، وحديثًا حرب الخليج الثانية في العام ٢٠٠٣. ولكن الأهم يبقى تضارب المصالح الإقتصادية التي أصبحت المُحرّك الأساسي للإرهاب من خلال دعم بعض الدول لمجموعات إرهابية لأهداف إقتصادية بحت. وفي تقرير معهد الإقتصاد والسلام (IEP) عن الإرهاب في العالم للعام ٢٠١٥، نرى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر منطقة في العالم عُرضة للإرهاب من ناحية عدد الهجمات الإرهابية وعدد الضحايا.

 وُيحصي التقرير ٢٤١٥ هجوم إرهابي في العالم أدّت إلى وقوع ٦٩٦٠ قتيلًا و١١٩٠٠ جريح كما وتضرّر ممُتلكات عددها ٥١٩. ويُشير التقرير إلى أن المدنيين العُزّل هم الأكثر تضررًا مع ٤٣٪ من القتلى يليهم رجال الشرطة مع ١٦٪ والعسكر ١٣٪ والسياسيين مع ٧٪ سياسيين… يبقى القول إن الإرهاب ظاهرة خلقتها أنظمتنا الإجتماعية غير العادلة ويجب على المُجتمع الدولي وضع إستراتيجية لمُكافحة هذه الظاهرة تبدأ من فرض عدالة إجتماعية ومُعالجة المشاكل الاجتماعية التي تطال المناطق التي تُعتبر “وكر” الإرهاب الفكري.

مصدر ليبانون فايلز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.