بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

موازنة 2017 أمام تحدّي سلسلة الرتب والرواتب

مع إقتراب نهاية المُهلة الدستورية لرد رئيس الجمهورية لقانون سلسلة الرتب والرواتب وإحتمال عدمّ ردّها من قبل الرئيس كما أفادت مصادر الرئاسة، تظهر إلى العلن تحدّيات ستطال دون أدنى شكّ المالية العامّة وستضع حكمًا قيود جمّة على مشروع موازنة العام 2017 تحت طائلة زيادة العجز وبالتالي الدين العام.

1773 مليار ليرة لبنانية (1.18 مليار دولار أميركي) هي كلفة رفع الحدّ الأدنى للأجور بحسب ما ورد في قانون سلسلة الرتب والرواتب. هذا الرقم مُرشّح للإرتفاع مع ضعف العملية الحسابية وتقسيط قسم من الحقوق لأصحابها. وإذا كانت السلّة الضريبية التي واكبت إقرار سلسلة الرتب والرواتب ستؤمّن ما يُقارب المليار دولار أميركي، إلا أن طبيعة وهيكلية الضرائب لا تسمح بتزامن المداخيل والإنفاق. وبالتالي سيكون هناك إلزامية للإستدانة لسدّ كلفة الأجور في القطاع العام.

من جهة أخرى تأتي السلّة الضريبية لتؤثر سلبًا على النشاط الإقتصادي وذلك على عدّة محاور :

أولًا – على صعيد الإستهلاك حيث من المتوقع أن ترتفعّ الأسعار ما بين 10 إلى 15% كمعدّل وسطي مع تجاوز هذه النسبة الـ 30% في بعض القطاعات (مثال المدارس الخاصة). هذا الأمر سيؤدّي حتمًا إلى إضعاف القدرة الشرائية للمواطن الذي سيُقلّل من إستهلاكه مع التركيز في الإستهلاك على الأساسييات. وسيكون لضعف القدرة الشرائية تأثير سلبي على قطاع الخدمات الذي يُعتبر أساسي في الإقتصاد اللبناني (أكثر من 75% من الناتج المحلّي الإجمالي). وتأتي السياحة الداخلية والفنادق والمطاعم في طليعة ضحايا ضعف القدرة الشرائية للمواطن حيث من المُتوقّع أن تصلّ إستثمارات هذا القطاع وبغياب إصلاحات إقتصادية جدّية، إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الأهلية.

ويأتي القطاع العقاري في المرتبة الثانية من ناحية التضرّر من ضعف القدرة الشرائية للمواطن مع إستهداف هذا القطاع ضريبيًا. فما بين 1.5% رسوم إضافية على الرخص، 2% على العقود، 6000 ل.ل على طن الإسمنت وضرائب إضافية على الأرباح العقارية (من دون تمييز)، توجّه السلطة السياسية ضربة كبيرة لهذا القطاع الذي وبفضل تحفيزات مصرف لبنان إستطاع خلال السنوات الماضية الحفاظ على مستوى مقبول. الجدير بالذكر أن القطاع المصرفي يتأثر بوضع القطاع العقاري من ناحية تعرّضه إلى هذا القطاع بنسبة 17% من إجمالي القروض للقطاع الخاص.

ثانيًا – على صعيد الإستثمار، إذ أن رفع الأجور في القطاع العام سيفرض رفعًا للأجور في القطاع الخاص وذلك بحكم أن أجور بعض الفئات في القطاع العام أصبحت أعلى من ناظيراتها في القطاع الخاص. وبالتالي فإن المُستثمرين سيعمدون إلى خيارات بديلة تتمّثل بالدرجة الأولى بالإستثمار في بلدان حيث مناخ الأعمال ملائم أكثر وطموحاتهم.

من جهة أخرى فإن الزيادة في الضرائب على الشركات وعلى الودائع تُقلّل من القدرة الإستثمارية للشركات وبالتالي تحرم الإقتصاد اللبناني من عامل أساسي وهو رأس المال.

ثالثًا – على صعيد التهرب الضريبي، إذ أن زيادة الضرائب تدفع اللاعبين الإقتصاديين إلى التهرب من الضرائب وذلك من خلال الهروب إلى الإقتصاد غير الرسمي حيث التعامل بالنقد يُصبح سيّد الموقف. وبالتالي نرى أن نسبة الإقتصاد غير الرسمي والبالغة 30% من حجم الإقتصاد اللبناني مُرشّحة للإرتفاع مما يُفقد الدولة اللبنانية مداخيل إضافية كانت لتحصدها لو تمّ التخطيط بفعّالية للسلة الضريبيّة.

كل هذا الأمر سيفرض تعقيدات على صعيد الإدارة المالية للدولة اللبنانية وذلك من ناحية عدمّ معرفة هذه الأخيرة للتداعيات الدقيقة للسلّة الضريبية التي أقرّتها خصوصًا في شقّها الجبائي. في المقابل هناك دفع مؤكّد لـ 300 مليون ليرة شهريًا (150 مليون ليرة رفع الحدّ الأدنى للأجور و150 لغلاء المعيشة) والتي تحتاج إلى إعتمادات لا تتوافر في خزينة الدولة. مما يعني أن هناك حتمية للإستدانة لتغطية هذه المبالغ من خلال إصدار سندات خزينة وبالتالي زيادة الدين العام ومعه خدمة هذا الدين وعجز الموازنة. مما يعني أنه ومع كثرة الحديث عن قرب بحث مشروع موازنة العام 2017 في مجلس النواب، نرى أن هناك تحدّيات ستواجهها هذه الموازنة وعلى رأسها الشق الذي يطال العجز.

وهنا نطّرح سؤال أساسي على السلطة السياسية:  ما هو مُستوى العجز في الموازنة الذي يُعتبر تحت السيّطرة؟

بإعتقادنا، مستوى العجز الحالي (5 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2016) هو مستوى خارج عن السيطرة بإعتبار أن الإنفاق يزيد في ظل ركود النشاط الإقتصادي. ولا توجد أيّة مؤشرات على تحسّن للوضع في ظل وجود مزاريب هدر كبيرة في المالية العامّة.

من هذا المُنطلق نرى أن هناك إحتمالان أمام السلطة السياسية في ما يخصّ الموازنة:

أولًا – مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب خصوصًا الشق الضريبي منها ومع إستيعاب ردّة الفعل الشعبية، من المُتوقّع أن يعمد مجلس النواب إلى إقرار الموازنة مع “ترقيع للأرقام” بحيث أن الواقع لن يُطابق الأرقام الموضوعة في الموازنة وخصوصًا في ما يتعلّق بالإيرادات. وبإعتقادنا هذا السيناريو هو الأكثر إحتمالًا.

ثانيًا – إقرار إصلاحات جذرية في مشروع الموازنة يسمح بتوفير المليارات من الدولارات ويزيد من القدرة الإنتاجية للماكينة الإقتصادية اللبنانية. إلا أن هذا الخيار يصطدم بالإنتخابات النيابية الفرعية والأساسية، وبالتالي من شبه المُستحيل على السلطة السياسية القيام بمثل هذه الإصلاحات مع إعتمادها للتبرير “القديم – الجديد” أي العامل الأمني.

على كل الأحوال وبغضّ النظر عن خيارات السلطّة السياسية، هناك حقيقة مؤلمة تواجهها موازنة العام 2017 وهي العجز الذي أصبح بإعتقادنا خارج السيطرة وذلك بغياب نمو إقتصادي قادر على إمتصاصه.

رابط الإقتصاد  

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

جاسم عجاقة لـ”النشرة”: كان من المفترض وضع رسم 7 و 8% على البضائع المستوردة

اعتبر الخبير الإقتصاد​ي والاستراتيجي البروفسور ​جاسم عجاقة​ أن خفض ​العجز​ الذي تحقق في موازنة العامة 2019 كاف باعتبار أن المطلوب كان خفضه الى 9% ويبدو أنه وصل نتيجة التعديلات الأخيرة الى قرابة الـ7.3%، مشددا على ان العبرة ليست بالارقام انما بالتطبيق لأنّ تجربة موازنة 2018 لم تكن مشجعة.
المزيد...

المصارف اللبنانية العمود الفقري للاقتصاد اللبناني

يُعتبر القطاع المصرفي اللبناني العامود الفقري للاقتصاد اللبناني حيث يؤدي دورا أساسيا في تمويل الاقتصاد إضافة إلى…

جاسم عجاقة لموقع المرده: الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر ومحميّة ووراءها دعم…

أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة أن “الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر وانها محميّة…

الخلافات السياسية أطاحت موازنة 2019 وجلسة اليوم مفصلية

«يا فرحة ما اكتملت!» بالفعل... لم تكتمل فرحة اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون الدخان الأبيض من مجلس الوزراء الأربعاء…

أبعد من السلام… حدود جغرافيّة بأقلام إقتصادية…

بالعودة الى الورشة الإقتصادية التي ستستضيفها العاصمة البحرينية المنامة في حزيران القادم، تحت عنوان "الرخاء من أجل…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More