ارتفاع أسعار النفط يرهق الإقتصاد اللبناني

0

أدّى إتفاق دول الأوبك على تخفيض إنتاج دول الأوبك من النفط الخام إلى ارتفاع أسعار النفط أكثر من ٧ دولارات للبرميل الواحد. هذا الارتفاع أتى نتيجة قرار خفض الإنتاج بقيمة ١.٢ مليون برميل في اليوم ابتداءً من أول العام ٢٠١٧. لكن السؤال المطروح، هل يستطيع الإقتصاد اللبناني تحمّل صدمات نفطية؟

استهلاك لبنان السنوي من المُشتقات النفطية مُخيف، إذ راوحت كلفة الإستيراد بين ٤ و٥.٥ مليار دولار أميركي في الأعوام ٢٠١٠ إلى ٢٠١٤. ولعب انخفاض أسعار النفط العالمية دوراً أساسياً في خفض الكلفة في الأعوام ٢٠١٥ و٢٠١٦، إذ بلغت الكلفة ٣.١٢٥ مليار دولار حتى في الأشهر العشرة الأولى من العام ٢٠١٦، و٣.١١٥ في العام ٢٠١٥. ويُشكّل دعمّ مؤسسة كهرباء لبنان عبئاً مهماً من نفقات الدولة اللبنانية (١٥٪ من إجمالي النفقات في العام ٢٠١٤ و١٧٪ في العام ٢٠١٢). وراوح هذا الدعم ما بين ٢٦٠٠ و ٣٥٠٠ مليار ليرة لبنانية ما بين الأعوام ٢٠١١ و٢٠١٥.
وإذا كان هذا الدعم قد انخفض إلى ١٧٠٠ مليار ليرة لبنانية (١.١٤ مليار دولار) في العام ٢٠١٥، فالفضل يعود إلى إنخفاض أسعار النفط الذي إنعكس على فاتورة الفيول المستورد (الذي يُشكل ٦٥٪ من كلفة إنتاج الكيلواط ساعة). بالتالي، سمح إنخفاض أسعار النفط بتوفير مليار دولار أميركي على خزينة الدولة ما بين العامين ٢٠١٤ و٢٠١٥. 

على صعيد القطاع الخاص، حيث كان من المفروض أن يكون هناك توفير في الفاتورة الحرارية بشكل كبير، لم يتجاوز التوفير الـ٣٤٠ مليون دولار، ويعود السبب إلى ارتفاع الاستهلاك الخاص مع إنخفاض الأسعار.وبالنظر إلى الإستهلاك الشهري للمشتقات النفطية، فإن الكلفة الشهرية الوسطية ٣٩٠ مليون دولار في العام ٢٠١٣، ٣٧٠ مليون دولار في العام ٢٠١٤، و٢٦٠ مليون دولار في العام ٢٠١٥. وتُشير الأرقام إلى أن الكلفة الشهرية الوسطية في الأشهر العشرة الأولى من العام ٢٠١٦ بلغت ٣١٢ مليون دولار أي بزيادة ملحوظة نسبة إلى العام ٢٠١٥.
بالتالي، فإن كلفة الطنّ من المُشتقات النفطية يراواح بين ٥٠٠ دولار و١٠٠٠ دولار ما بين الأعوام ٢٠١٠ إلى ٢٠١٦.

ويبقى السؤال عن قدّرة لبنان على تحمّل ارتفاع في أسعار النفط وتداعيته على الصعيدين الاقتصادي والإجتماعي. الجواب عن هذا السؤال يتطلّب البحث في وجهة استهلاك هذه الكمَيات الهائلة من المُشتقات النفطية. من المعروف أن الماكينة الإقتصادية اللبنانية ليست مستهلكاً كبيراً للمُشتقات النفطية نظراً لضعفها. بالتالي، إذا استثنينا مؤسسة كهرباء لبنان، نرى أن قطاع النقل وقطاع المولدات الخاصة هما القطاعان الأساسيان الذان يستهلكان القسم الكبير من الإستيراد. وهذا الاستهلاكغير فعّال من ناحية أن كثافة السير على الطرقات اللبنانية، يجعل اللبناني يستهلك الوقود بشكل جنوني، ١.٥ مليار دولار سنوياً. أمّا في ما يخص المولدات (للمنازل والمصانع)، فإنها تستهلك منحو ٨٥٠ مليون دولار من المازوت سنوياً. بالتالي، ومع ارتفاع الأسعار من جديد ستكون الفاتورة الأكبر هي الفاتورة على المواطن الذي سيرى فاتورته الشهرية ترتفع من خلال ارتفاع فاتورة المولدات الخاصة، فاتورة باصات المدارس، فاتورة وقود السيارات الخاصة، وكتحصيل حاصل كل أسعار المواد الغذائية. هذا الأخيرة سترتفع لسببين: الأول يتعلّق بأن الشقّ الكبير من الإستهلاك اللبناني هو مُستورد. بالتالي، فإن كلفة النقل ستزيد حكماً. أمّا الثاني فيتعلّق بطمع بعض التجّار الذين لن يتواروا عن رفع الأسعار بحجّة ارتفاع أسعار المحروقات. هذا الواقع سيؤدّي حتماً إلى لجم القدرة الشرائية للمواطن اللبناني. بالتالي، فإن استهلاكه سيتراجع وستكون التداعيات مباشرة على النمو الإقتصادي بحكمّ أن الاستهلاك الداخلي هو المحرّك الأساسي للنمو منذ العام ٢٠١١ وحتى يومنا هذا. لكن ما هي احتمالات أن ترتفع أسعار النفط العالمية؟
“الفياسكو” (الإنهيار الفجائي) الذي كان مُتوقعاً بفشل المحادثات بين أعضاء دول أوبك، خصوصاً بين المملكة العربية السعودية وإيران، لم يحصل. بالتالي، تمّ الإتفاق على خفض حصة أوبك من الإنتاج العالمي إلى ٣٢.٥ مليون برميل في اليوم، أي بانخفاض بقيمة ١.٢ مليون برميل في النهار، تحمّلت السعودية الجزء الأكبر منه مع خفض بقيمة ٤٨٠ ألف برميل يومياً (من ١٠.٥ إلى ١٠ مليون برميل في النهار مقابل إنتاج إيراني بقيمة ٣.٨ مليون برميل في النهار)، يليها الكويت وقطر بخفض بقيمة ٣٠٠ ألف برميل (الدولتان معاً)، والعراق مع خفض بقيمة ٢١٠ آلاف برميل (٤.٣ مليون برميل في اليوم)، وبالبقية تُوزّع بين الدول الأخرى. من جهة أخرى، أعلنت روسيا إستعدادها خفض إنتاجها بقيمة ٣٠٠ ألف برميل يومياً، مع العلم أنها ليست مُنتسبة إلى منظمة أوبك. بالتالي، فإن الإنخفاض الكلّي يصل إلى ١.٥ مليون برميل يومياً. والمعروف أن مُعظم الدول المُنتجة للنفط، والتي ليست عضواً في منظمة أوبك، تُنتج بكامل قدرتها الإنتاجية. وهذا ما دفع منظمة أوبك إلى فرض كلمتها في الأسواق العالمية بحكم أنها لا تُنتج بكامل قدرتها الإنتاجية. لكن العقد الأخير شهد تحوّلاً، إذ إرتفع الإنتاج في الولايات المُتحدة الأميركية من ٦.٩ مليون برميل في النهار في العام ٢٠٠٥ إلى ١٢.٧ مليون برميل في النهار في العام ٢٠١٥ مع تطور استخراج النفط الصخري. كذلك الأمر في كندا التي ارتفع فيها الإنتاج من ٣ إلى ٤.٢ مليون برميل في النهار. بالتالي، إن قدرة تأثير منظّمة أوبك تراجعت وأصبحت تؤمّن ثلث الإنتاج العالمي فقط. أضف إلى ذلك، أن ارتفاع أسعار النفط سيُشجّع إستخراج النفط الصخري الأميركي. ما يعني أن الفائض في الأسواق سيرتفع (يبلغ الفائض اليوم ٢.٥ مليون برميل في النهار). من هنا، إن هذا الاتفاق الذي يبدأ مفعوله في أول العام المُقبل ويستمر لفترة ٦ أشهر، سيسمح للدول المُنتجة للنفط بأن تُحسّن من قدرتها الإنتاجية، ثم ستعود المنافسة الشديدة التي لن يُساعد الإقتصاد العالمي في إمتصاص مفاعيلها. لا يُمكن للبنان أن يتحمّل إقتصادياً وإجتماعياً ارتفاعاً في أسعار النفط، لأن في ذلك ضرراً كبيراً على مدخول المواطن اللبناني. من هنا، نعتقد إن العوامل الجيوسياسية التي تحاصر ملف النفط تُساعد على لجم الأسعار لعلّ حكومة الرئيس سعد الحريري تستطيع أن تُغيّر في المعادلة الإقتصادية الداخلية.

رابط المدن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.