الهوية الوطنية كمشروع سياسي

0

يحتفل لبنان بعيد الإستقلال في الثاني والعشرين من تشرين الثاني من كل عام. وإذا كان عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥ لم يشهدا إحتفالًا بعيد الإستقلال، إلا أن العيد هذا العام له حيثية خاصة مع إنتخاب رئيس للجمهورية. فبالإضافة إلى الطابع الإحتفالي، هناك موضوع الإنقسام الحاد الذي يهزّ الساحة السياسية والذي يطرح مفهوم الهوية الوطنية. يُعتبر الإستقلال من الشروط الأساسية التي يجب أن تتوفر لكي تتمكن أمّة أو دوّلة من ممارسة السيادة الكاملة على أراضيها وإدارة شؤونها. هذا التعريف يعني أمرين: أولًا سيطرة عسكرية كاملة للدوّلة على أراضيها ووجود نظام سياسي يُدير شؤون البلد. لكن هذه النظرة التي تُركز على الإستقلال السياسي هي نظرة ضيقة جدًا لأنه ومع العولمة دخلت عدة أبعاد جديدة منها الإستقلال الحراري، النقدي، الاقتصادي… المُشكلة التي تُطرح هنا هي أن بلدًا مُستقلًا بالمعنى السياسي قد لا يكون مُستقلًا في الأبعاد الأخرى. وهذا الأمر يخلق مُشكلة الثبات السياسي في حال كان هناك تعلّق بأكثر من بلد مع مصالح مُتضاربة. هذا الحال بالطبع هو حال لبنان ويطرح قبل كل شيء مُشكلة الهوية الوطنية التي بدأت تفقد معانيها مع الحرب الأهلية والترابط العضوي للبعض بالكيانات الخارجية. مُشكلة الهوية الوطنية اللبنانية طُرحت في الماضي عدّة مرّات وكان أخرها خلال الحرب الأهلية مع الوجود الفلسطيني المُسلح. اليوم يعود هذا الموضوع إلى الواجهة مع التخوف من عمليات تجنيس، بتعاطف بعض الشركاء في الوطن، قد تطال النازحين السوريين الذي أصبحوا يُشكّلون خطرًا على لبنان من الناحيتين الإقتصادية والإجتماعية. لذا يتوجب على اللبنانيين معرفة ما هي الهوية الوطنية اللبنانية؟ هل كل من يحمل الجنسية اللبنانية هو لبناني (التعريف القانوني)؟ أو أن من يأكل التبّولة هو لبناني؟ الكاتب الفرنسي فولتير عرّف الهوية الوطنية كمجموعة سلوك مُشتركة لمجتمع مُعيّن. وذهب الباحث رينان إلى القول إن الهوية الوطنية هي “روح، ومبدأ روحاني”. هناك مفهومان تقليديين مُتناقضين للهوية الوطنية: “الأمة-العقد”، و”الأمة-الهندسة”. مفهوم “الأمة-العقد” (Renan)
مفهوم يعتبر الشعب هم المواطنين، والوحدة الوطنية هي نتيجة الإرادة من هنا يأتي مفهوم الأمّة كمفهوم إختياري (الديموقراطية) تعتمد على المواطنية وتحترم حقوق الإنسان والمواطن الذي يكتسب الهوية بحق الولادة على هذه الأرض. وبالتالي فإن الهوية في روحية هذا المفهوم تقوم على مشروع وطني حول فكرة “العيش معًا” (حال الدولة الفرنسية). وقد تمّ إستخدام كلمة “هوية” في اللغة العربية من أشخاص تأثروا بهذا المفهوم وإستعانوا بكلمة “هوى” للتعبير عن إرادة الشخص وتوجهاته وشخصيته.
مفهوم “الأمة-الهندسة” (Fichte)
مفهوم يعتبر الشعب تحدّر من الأسلاف والوحدة الوطنية هي نتيجة العادات. وبالتالي فإن مفهوم الأمّة هو مفهوم عرقي يعتمد على النسب ويُشدّد على اللغة والعرق والثقافة. ولا تُكتسب الجنسية في هذا المفهوم إلا من خلال الدم. من هنا نرى أن هذا المفهوم يعتمد على الماضي وعلى النسب وبالتالي فإن الأمّة تُعرّف بـ “روح الشعب” (Herder). وهذا يعني أن الأمة ليست مفهوم بل هي “روح جماعية” تجمع ثقافيًا ولغويًا وعرقيًا المواطنين. في هذا المفهوم، تُعتبر الهوية الوطنية كنتيجة لعدد من المعايير الموضوعية مثل الديانة، اللغة، العرق… وبالتالي فإن المواطن لا يملك الحرية بهويته الوطنية (حال الدولة العبرية). يقول الباحث بينديكت أندرسون أن عقيدة الأمة تأتي كنتيجة لحاجة فردية وهي حاجة الإنتماء لمجموعة متجانسة وثابتة. ويُضيف أن الشعور الوطني يُنقل عبر وسائل الإعلام وبالتالي يتمّ خلق صورة لدى الفرد عن إنتماء وطني يدفع إلى خلق أحساسيس قد تخلق التعصب. تاريخيًا، يُلاحظ أن مفهوم الهوية الوطنية جاء نتيجة التطور الصناعي في المناطق. وهذا الأمر يُمكن إثباته من خلال بعض المناطق الحدودية في لبنان حيث أن سكانها لا يتكلمون في بعض الأحيان اللغة العربية أو أنهم يُعلنون إنتمائهم إلى دول مجاورة. هذا الواقع دفع بـ Gellner إلى تعريف المجتمع الصناعي من خلال القراءة والكتابة، المعرفة التقنية، والتنقل والغفلية (anonymat). الباحث Schlesinger أدخل مفهوم الهوية الوطنية المُتحرّكة والتي تتغذّى من خلال التفاعل الوطني. التبرير قائم على مبدأ أن “من يرى نفسه في مجتمع، هو مُندمج في هذا المُجتمع”. وبالتالي فإن مفهوم الهوية الوطنية يبقى في تطوّر مُستمر. الواقع اللبناني يُظهر أن هناك العديد من الثقافات التي تتعلق بالمناطق بالدرجة الأولى. وإذا ما إعتمدنا مبدأ فولتير “أن الهوية الوطنية هي مجموعة سلوك”، نرى أن في لبنان عدّة هويات وطنية. النظرة الواقعية تنصّ على أن مجموع هذه الثقافات يجب أن تؤدّي إلى هوية وطنية مُوحدّة، وهذه هي الرؤية السياسية للهوية الوطنية. هذه الأخيرة تفرض أن يتم وضع مشروع وطني سياسي بإمتياز يأخذ بعين الإعتبار الإختلاف في الثقافة بين مكونات الشعب اللبناني وتكون النتيجة نظام سياسي فيه قوانين يلتزم فيها المواطن اللبناني إختياريًا ليكون حاملًا للهوية الوطنية اللبنانية. من البديهي القول إن هذا المشروع يجب أن يؤمن التماسك الاجتماعي بين مُختلف الفئات التي تتشارك مشروعًا وطنيًا الذي يقطع أواصل التعلق الخارجي من أي نوع كان. وقد يقول البعض أن هذا حلم لا يُمكن أن يتحقق في لبنان، إلا أنني أعتقد أنه من دون أن ننسى الماضي وتأثيره، يجب أن يكون للمواطن حرية الإختيار في أن يكون لبناني.

رابط ليبانون فايلز  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.