الفساد يهدد إيجابيات الاستقرار

0

تأثرت المؤشرات الإقتصادية تتأثر بالأجواء الإيجابية التي رافقت انتخاب رئيس الجمهورية. فقد تحسّن النشاط التجاري بنسبة ١٠٪ منذ جلسة الانتخاب.

موقع المدن | بروفسور جاسم عجاقة

هذه الأثار الإيجابية ستنسحب على مقومات الاقتصاد اللبناني بدءاً بالإستثمارات، إذ لن يصعب على الرئيس سعد الحريري إقناع الدول الخليجية برفع العقوبات الإقتصادية غير المُعلنة التي تفرضها على لبنان منذ إسقاط حكومته في العام ٢٠١١.

هذه الإستثمارات ستكون بمثابة حبل النجاة لإقتصاد يُعاني من شحّ في الإستثمارات. ما يؤدّي إلى تآكل الماكينة الاقتصادية المعروف أنها لا يُمكن أن تنمو بدون إستثمارات.

ومع توقع بأن يقوم العهد الجديد بإقرار جملة من القوانين التي تذهب في اتجاه الإصلاح الإقتصادي مثل قانون الشراكة بين القطاع الخاص والعام، فإن مناخ الأعمال سيكون مؤاتياً أكثر لإستقبال الإستثمارات الخارجية الداخلية التي من المُتوقع أن تزيد بشكل هائل يفوق الـ٥٠٪ إذا ما تمّ إجراء الانتخابات النيابية في موعدها (أيار 2017).

ولكن الأهم في هذه الإصلاحات يبقى محاربة الفساد الذي له دور سلبي جداً على الإقتصاد وحتى على الاتفاق السياسي الذي أوصل عون إلى سدّة الرئاسة.

فقد أظهر عدد من الدراسات (Akrma 2003) أن المُستويات العالية من الفساد تتعلّق بإنخفاض مستويات الاستثمارات والنمو الضئيل. فالفساد يُقلّل من من فعّالية السياسيات الإقتصادية ويحفّز على النشاطات غير الشرعية التي تُخالف القوانين والأنظمة القانونية والإقتصادية.

فالفساد في الإدارات العامّة يُشجّع على الإستثمارات غير المُنتجة في القطاع العام والذي يؤدّي إلى هدر كبير دون أي مردود فعّلي على الاقتصاد.

وأظهر العديد من الدراسات (Ebben 2009) أن الأضرار التي يُسببها الفساد على هيكلية البنى الإقتصادية والخداماتية للدولة عالية جداً. وبالتالي، فإن البلد يدخل في حلقة مُفرغة إذ إن الإقتصاد يتضرّر نتيجة الفساد.

وقد عرّف الباحث هيتنغتون الفساد بغياب مؤسسات فعّالة في الدولة، وبأنه نتيجة الإنحراف في السلوك المقبول للمؤسسة والعاملين فيها. هذا الأمر كفيل بدفع العهد الجديد بالإهتمام بمحاربة الفساد عبر إقرار عدد من القوانين التي تضمن محاسبة الفاسدين.

وعلى رأس هذه القوانين يأتي قانون إستقلالية القضاء الذي يُعتبر الضامن الوحيد لإستقامة سلوك المؤسسات والعاملين فيها بعيداً من أي تدخل من أصحاب النفوذ.

ويأتي في المرتبة الثانية قانون الشفافية الذي يفرض على كل من يتعاطى الشأن العام بالكشف عن حساباته المصرفية. هذا الأمر يجب أن يتزامن مع إقرار قانون يمنع على كل من يتعاطى الشأن العام من تعاطي الشأن الخاص، منعاً لتضارب المصالح الذي ينتهي دائماً بفوز المصلحة الخاصة.

  • ولمعرفة أهمية إقرار هذه القوانين يجب الوقوف عند الأضرار التي يُكبدّها الفساد على الاقتصاد اللبناني والتي تبلغ ١٠ مليار دولار أميركي سنوياً منها ٥ مليارات دولار خسائر مالية مباشرة على خزينة الدولة و٥ مليارات غياب الفرص الإقتصادية. إن إحتساب الخسارة المالية المُباشرة على خزينة الدولة يجب أن يتمّ عبر احتساب خسائر الدولة في:

– المناقصات العامة في الوزارات، المديريات، المجالس، المؤسسات المُستقلة.
– التخمين العقاري.
– التخمين/ التهريب على المرافئ العامة من مطار، مرافئ بحرية وحدود.
– الهدر في الإنفاق العام.
– المعاملات اليومية التي تطال حياة المواطن اللبناني في كل الوزارات الخدماتية.
– الأملاك البحرية والنهرية.
– الفواتير والضرائب غير المُحصّلة.
– بعض القرارات القضائية التي تحرم المواطن من العدل في المجتمع.

أما احتساب الخسائر الناتجة من غياب الفرص الإقتصادية، فإنه مُعقّد أكثر، لكن يُمكن إعطاء تخمين عبر تقييم الإستثمارات الأجنبية المباشرة التي لا تأتي إلى لبنان بسبب الفساد، كذلك الخسائر الناتجة من إضعاف شركات لحساب شركات أخرى، وتأخير المعاملات الإقتصادية، والإحتكار، وغياب الإصلاحات والخطط الإقتصادية.

من هذا المُنطلق، نرى أن الإيجابيات السياسية، الأمنية والإقتصادية التي تواكب العهد الجديد، يقابلها خطر قاتل إسمه الفساد الذي يجب محاربته تحت طائلة تحوّل المجتمع اللبناني إلى غابة إقتصادية حيث يبقى القوّي هو الملك.

مصدر موقع المدن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.