السعودية تستثمر في التكنولوجيا

0

من الواضح أن انخفاض أسعار النفط أثر على السياسة الإقتصادية التي تتبعها المملكة العربية السعودية. وأتت “رؤية السعودية ٢٠٣٠” لتُجسد هذا التحوّل مع بدء المملكة المرحلة الأولى من تطبيقها بإعلانها الاشتراك في صندوق إستثماري بقيمة ١٠٠ مليار دولار أميركي.  وكانت التطورات الجيوسياسية والجيوإقتصادية في العالم، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، أدت إلى إنخفاض أسعار النفط بشكل دراماتيكي من ١٠٠ دولار في أوائل العام ٢٠١٤ إلى ٥٠ دولاراً أميركياً اليوم مع مستويات أقل من ٣٠ دولار أميركي للبرميل الواحد. المملكة التي يعتمد إقتصادها بشكل أساسي على النفط والصناعة النفطية، تضرّرت كثيراً من الإنخفاض في أسعار النفط، وسجّلت للمرة الأولى منذ بدء عصر النفط عجّزاً في موازنتها. أضف إلى ذلك، أن رفع الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية أواخر ٢٠١٥ دفع بها إلى خسارة قسم من الإستثمارات الأجنبية المباشرة بحكم أن الأموال شرهة وتُحبّ الفائدة العالية. وأدّى إنخراط المملكة في التحالف العسكري في اليمن إلى زيادة الإنفاق العسكري. وبالتالي، ارتفاع العجز في الموازنة أيضاً. ردّ المملكة لم يتأخر مع وضعها خطة إقتصادية سُمّيت بـ”رؤية السعودية ٢٠٣٠”، التي تسمح للإقتصاد السعودي بالتحرّر من التعلّق بالنفط وتقلبات أسعاره. ومن أبرز نقاط الخطة: (١) خلق صندوق سيادي بقيمة ٢ تريليون دولار أميركي؛ (٢) التحرر من النفط عبر زيادة الإيرادات غير النفطية؛ (٣) طرح أسهم شركة أرامكو السعودية في البورصة؛ (٤) خلق ما يُسمّى بالبطاقة الخضراء بهدف تسهيل عمل الأجانب؛ (٤) زيادة عدد المُعتمرين من ٨ إلى ٣٠ مليون سنوياً؛ (٥) تحفيز سوق العمل ودعم توظيف النساء؛ (٦) خلق قطاع صناعي مُختصّ بالصناعة العسكرية؛ (٧) دعم القطاع العقاري؛ و(٨) محاربة الفساد. تطبيق هذه الخطّة لم يتأخر مع إعلان السعودية ومجموعة Softbank اليابانية خلق صندوق استثماري بقيمة ١٠٠ مليار دولار أميركي لدعم التكنولوجيا. ومن المُتوقع أن يقوم الصندوق السيادي السعودي بإستثمار ٤٥ مليار دولار أميركي، على أن تقوم Softbank باستثمار ما يزيد عن ٢٥ مليار دولار أميركي والباقي يتم تأمينه من خلال مُستثمرين آخرين. ووفق مجموعة Softbank، سيتم العمل بهذا الصندوق على وتيرة ٢٠ مليار دولار سنوياً، أي سيكون مُكتملاً خلال ٥ سنوات. وبذلك يكون هذا الصندوق قد جمع أموالاً في ٥ سنوات موازية لما جمعته كل الصناديق الإستثمارية الأميركية في فترة عامين ونصفّ.وسيكون من المُمكن لأي شركة في العالم الإستعانة بهذا الصندوق، على أن تستوفي شروط الصندوق بالطبع. ما يسمح للمملكة العربية السعودية أن تُنوّع إيراداتها وتُقلل بذلك تعلّقها بإيرادات النفط.ووفق “رؤية السعودية ٢٠٣٠” من المُتوقع أن تصل قيمة الصندوق السيادي السعودي إلى ٢.٥ تريليون دولار أميركي ليكون بذلك أكبر صندوق سيادي في العالم. وباعتبار أن هذا الصندوق قد يعطي مردود ١٠٪ سنوياً، فإن المملكة قادرة على تمويل كل موازنتها من عائدات هذا الصندوق، والبالغة ٢٥٠ مليار دولار أميركي مقارنة بنفقات تصل إلى ٢٢٥ مليار دولار أميركي اليوم. وبهذا تكون المملكة العربية السعودية قدّ حذت حذو قطر، التي وضعت خطة تهدف إلى تمويل موازنتها كلياً من عائدات صندوقها السيادي بحدود العام ٢٠٢٠. وبالتالي، التحرّر الكلّي من النفط وأسعاره المُتقلّبة.

المشكلة تكمن في أن الاعتماد على الصندوق السيادي وحده يُحوّل الإقتصاد السعودي إلى إقتصاد ريعي. من هنا، أتت “رؤية السعودية ٢٠٣٠” لتدّعم الماكينة الإقتصادية السعودية من خلال استثمارات تطال القطاعات الإقتصادية الأخرى، وزيادة الاستثمارات الأجنبية في السعودية وتسهيل إقامة الأجانب من خلال البطاقة الخضراء وتدعيم القطاع العقاري، وسوق العمل. وإذا كانت خطوة الصندوق الاستثماري أسهل في التطبيق، إلا أن دعم الماكينة الإنتاجية السعودية يبقى رهن ثبات السياسة الإقتصادية السعودية ورهن التفاصيل والقوانين التي ستُرافقها. وخلق قطاع صناعي عسكري هو من الإجراءات الممكن تنفيذها بسرعة كبيرة، لكنه يتطلّب موافقة بعض الدول الكبرى، خصوصاً إذا كان هذا القطاع سيصنع أسلحة متطوّرة تعتمد على التكنولوجيا. وهناك توجه سعودي أيضاً لزيادة التعاون الإقتصادي والعسكري مع تركيا، خصوصاً مع تردّي العلاقات السعودية- الأميركية والناتج عن قانون جاستا (Justice against Sponsors of Terrorism Act). هذا التعاون قد يزيد من الاستثمارت السعودية في تركيا، التي هي بأمسّ الحاجة إلى رؤوس الأموال مع إنسحاب العديد منها نتيجة الأحداث الأمنية التي عصفت بتركيا في الأشهر الماضية. يبقى القول إن “رؤية السعودية ٢٠٣٠” تغيب عنها الخطط التي تهدف إلى خلق تكتل إقتصادي عربي تستطيع من خلاله المملكة زيادة الاستثمارات والتبادل التجاري بينها وبين الدول العربية الأخرى، خصوصاً أن هذه الأخيرة بحاجة إلى استثمارات قد تُحقق من خلالها المملكة العربية السعودية عائدات على استثماراتها تفوق العائدات في أي نقطة أخرى في العالم. لذا، يتوجب على المملكة العربية السعودية إعادة النظر في سياستها الاستثمارية في بعض الدول العربية، مثل لبنان والعراق والأردن وسوريا (بعد إنتهاء الحرب) لأن في ذلك فرصة لتعزيز دور المملكة الإقتصادي، وتعزيز السلام في المنطقة من خلال الرخاء الإقتصادي.

رابط المُدن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.