١.١٣ مليار دولار أميركي إنفاق الدولة اللبنانية شهريًا

0

ككل مُكلّف في العالم، يتسأل المواطن اللبناني كيف تصرف الدولة اللبنانية المال العام؟ هذا السؤال هو سؤال مُحقّ خصوصًا عندما نعلم أن الدولة اللبنانية تُنفق شهريًا ١.١٣ مليار دولار أميركي في حين أن مدخولها الشهري لا يتجاوز الـ ٨٠١ مليون دولار أميركي!  الإنفاق في لبنان لا يتّبع أي قاعدة إقتصادية، فعلى الرغم من أن الدستور ينصّ على أنه وبغياب الموازنة يتوجّب على الحكومة الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية (أي أن موازنة العام ٢٠٠٥ تُقسّم على ١٢ شهر وتُصرف شهريًا على أساس ٥٦٤ مليون دولار أميركي شهريًا)، إلا أن الواقع اليوم هو أن الدوّلة اللبنانية تُنفق ١.١٣ مليار دولار أميركي شهريًا. وهنا يُطرح سؤالين أساسيين: كيف تتمّ تغطية الإنفاق قانونيًا؟ وعلى ماذا تُنفق الدولة هذا المبلغ؟ لتغطية الإنفاق الإضافي، تقوم الحكومة بفتح إعتمادات تُموّلها من الإحتياط والذي بدوره يُموّل من الإستيدان. ويقوم مجلس النواب بالسماح للحكومة بالإستيدان وفقًا للدستور حيث يضع لها سقف لا يُمكن أن تتخطاه. الجدير بالذكر أن الحكومة لا تستدين كل الفرق والسبب يعود إلى أن الإيرادات تضاعفت منذ العام ٢٠٠٥، مما يعني أن الحكومة تقترض ما ينقص لتغطية الإنفاق. أمّا في ما يخص كيفية الإنفاق، فأرقام وزارة المال للعام ٢٠١٥ تُشير إلى أن بند “الأجور والتعويضات والتقاعد” يأتي في المرتبة الأولى مع ٧٠٨٠ مليار ليرة لبنانية (٣٥٪ من إجمالي الإنفاق)، يليه بند “خدمة الدين العام” مع ٧٠٥٠ مليار ليرة لبنانية (٣٥٪). ويأتي بند “نفقات الخزينة والنفقات الأخرى” في المرتبة الثالثة مع ١٩٠٢ مليار ليرة لبنانية (٩٪) يليه بند “النفقات التشغيلية” مع ١٧٦٢ مليار ليرة لبنانية (٩٪) وبند “دعم مؤسسة كهرباء لبنان” مع ١٧١١ مليار ليرة (٨٪). أما المرتبة الأخيرة فهي من نصيب بند “النفقات الإستثمارية” مع إنفاق بقمية ٨٨٨ مليون ليرة لبنانية (٤٪) ليكون بذلك مجموع إجمالي النفقات المُحقّقة ٢٠٣٩٣ مليار ليرة لبنانية مقارنة بإيرادات بقيمة ١٤٤٣٥ مليار ليرة لبنانية ! هذا التوزيع في الإنفاق تبدّل مع الوقت مع تطور بندي الأجور وخدمة الدين العام كما وبند دعم مؤسسة كهرباء لبنان: أولًا بند “الأجور والتعويضات والتقاعد”: هذا البند إنفجر منذ العام ٢٠٠٨ حيث كانت قيمته ٣٩٧٠ مليار ليرة ليُصبح ٧٠٨٠ مليار ليرة في العام ٢٠١٥ مع سياسة التوظيف العشوائية المُتبّعة والتي جعلت عدد موظفي القطاع العام يبلغ ٢٢٠ ألف موظف موزعين كالتالي: موظفي الأجهزة العسكرية والأمنية ١٠٠ ألف، المدارس الرسمية ٤٠ ألف، الإدارات والمؤسسات العامة ٣٧ ألف، أجراء ومُتعاملون ٢٠ ألف، البلديات ١٥ ألف، والجامعة اللبنانية ٨ الألاف. أضف إلى ذلك المتقاعدون والبالغ عددهم ٥٠ ألف مُتقاعد. ثانيًا بند “خدمة الدين العام”: هذ البند تاريخيًا يستهلك ٥٠٪ من إيرادات الدولة ويُشكّل ثلث الإنفاق الإجمالي. وإرتفع من ٥٣٠٤ مليار ليرة لبنانية في العام ٢٠٠٨ إلى ٧٠٥٠ مليار ليرة في العام ٢٠١٥ أي زيادة بنسبة ٣٣٪. والأخطر في الأمر أن إنفاق الدولة اللبنانية على هذا البند سيشهد إرتفاعًا بقيمة ٥٥٠٠ مليار ليرة في العام ٢٠١٧ ليُصبح ١٢٥٥٠ مليار ليرة ! ويعود السبب إلى وصول العديد من سندات الخزينة إلى نهايتها، وبالتالي فإن على وزارة المال دفع الفائدة إضافة إلى رأس المال الأساسي. ثالثًا بند “دعم مؤسسة كهرباء لبنان”: هذا البند يستهلك ٢٠٪ من إيرادات الدولة و١٥٪ من إجمالي الإنفاق العام. إلا أن إنخفاض أسعار النفط العالمية سمحت بتوفير ١٤٤٦ مليار ليرة لبنانية (أي ما يوازي مليار دولار أميركي) بين العامين ٢٠١٤ و٢٠١٥. وهذا الأمر خفّض نسبة إستهلاك إيرادات الدولة لهذا البند إلى ١٢٪. لكن بفرضية عودة ارتفاع الأسعار فإن هذا البند مُرشّح إلى الإرتفاع أكثر من قبل مع تراجع الكفاءة الحرارية للمنشأت الكهربائية في لبنان. رابعًا بند “النفقات التشغيلية”: هذا البند إرتفع من ١٣٦٥ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨ إلى ٢٤٣٦ مليار ليرة في العام ٢٠١٣ (القمّة) قبل أن يعاود الإنخفاض إلى ١٧٦٢ مليار ليرة لبنانية في العام ٢٠١٥ (أي إنخفاض بقيمة ٢٧٪). وهذا الإنخفاض يعود إلى سياسة وزير المال المُتشدّدة في ما يخص الإنفاق والتي تنصّ على تخفيض بند النفقات التشغيلية في كل الوزارات والمؤسسات العامة. خامسًا بند “نفقات الخزينة والنفقات الأخرى”: إرتفع هذا البند من ١٣٧٤ مليار ليرة لبنانية في العام ٢٠٠٨ إلى أكثر من ١٩٠٠ مليار ليرة لبنانية في العام ٢٠١٥ (أي ارتفاع بنسبة ٢٩٪). وهذا الأمر يدلّ على أهمية وجود الموازنة لوقف هذا الهدر، فخلف هذا البند يُمكن إدراج العديد من النفقات غير المُجدية والتي قد تحوي هدرًا كبيرًا. سادسًا بند “النفقات الإستثمارية”: هذا البند تطور مع الوقت من ٥١٤ مليون ليرة في العام ٢٠٠٨ إلى ٩٨٧ مليار ليرة في العام ٢٠١٣ ليُعاود الإنخفاض إلى ٨٨٨ في العام ٢٠١٥ (٤.٤٪ من إجمالي الإنفاق و٦.٢٪ من إجمالي الإيرادات). ولو كان هناك سياسة إقتصادية ملائمة لرأينا هذا البند يُشكّل ٢٠٪ من إنفاق الدولة خصوصًا في أعوام المجد – أي من العام ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٠! في المقابل نرى أن الإيرادات إرتفعت من ١٠٥٥٣ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨ لتصل إلى ١٦٤٠٠ مليار ليرة في العام ٢٠١٤ وتعود لتنخفض في العام ٢٠١٥ إلى ١٤٤٣٥ مليار ليرة. وتعود الأسباب إلى تردّي الوضع الاقتصادي كما ودخول معاهدة التبادل التجاري مع دول الإتحاد الأوروبي والتي حرمت الخزينة من الرسوم الجمركية على البضائع المُستوردة من هذه الدول. الجدير بالذكر أن ٤٠٪ من إستيراد لبنان يأتي من منطقة اليورو. هذا الأمر يُظهر مشكلة حقيقة تطال هيكلية المالية العامة والتي (كما يُظهره الرسم) أدّت إلى خلل في التوازن بين الإيرادات والإنفاق. فإيرادات الدولة كلها تذهب إلى بندين هما “الأجور والتعويضات والتقاعد” و “خدمة الدين العام”. وبالتالي فإن كل إنفاق إضافي يذهب تلقائيًا إلى خانة العجز ليتحول بعدها إلى دين عام.  من هنا نستنج أن الدولة اللبنانية تعيش فوق قدراتها وتستدين لتغطية إنفاقها. وهذا الأمر غير مقبول في النظرية الإقتصادية التي تفرض توازنًا بين الإيرادات والإنفاق أو أقلّه أن يكون الفائض في الميزان الأوّلي أكبر من قيمة بند خدمة الدين العام. وتُشير أرقام الميزان الأوّلي إلى أن الفائض في العام ٢٠١٥ بلغ ٧٢٤ مليون ليرة أي أقل بكثير من الـ ٤.٧ مليار دولار أميركي – خدمة الدين العام! هذا الأمر يطرح مُشكلة هيكلية الإنفاق والتي تتوزع ٩٥.٦٪ نفقات جارية و ٤.٤٪ نفقات إستثمارية مما يُنذر بمشكلة على الآمد المتوسط إلى البعيد.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.