قانون ‘غاتكا’: لبنان في مواجهة النظام المالي الدولي

0

شادي علاء الدين

فجر تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مخاوف كبيرة حول قدرة لبنان على التعاطي مع التطورات القانونية الدولية الخاصة بلوائح الامتثال الضريبي على الحسابات العالمية “غاتكا” الذي يهدد بزوال إحدى أهم مزايا النظام المصرفي اللبناني وهي السرية المصرفية.

بيروت- قال محللون إن تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وجه ضربة قاسية إلى لبنان، وشكك في قدرته على إقرار القوانين ومعالجة المشاكل التي قد تفرضها معايير الامتثال الضريبي على الحسابات العالمية. وأكدوا أن ذلك يهدد بإدراج لبنان على اللائحة السوداء للدول التي لا تلتزم بالقوانين الدولية الخاصة بالامتثال الضريبي ويهدد بزوال السرية المصرفية، التي هي من أبرز مزايا النظام المصرفي اللبناني بالنسبة للمستثمرين. وكانت المصارف اللبنانية قد وقعت سابقا على اتفاقية “فاتكا” وهي اتفاقية الامتثال الضريبي على حسابات الأميركيين الخارجية وبدأ تطبيقها عام 2014، لكن قانون “غاتكا” للامتثال الضريبي على الحسابات العالمية لم يجد بعد طريقه إلى الإقرار. وانتهت المدة التي أعطيت لبيروت بداية سبتمبر الجاري، دون أن يكون في الأفق ما يدل على أن القانون سيجد طريقه إلى الإقرار، في ظل الاستعصاء السياسي والقانوني.    حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حاول تخفيف الضغط الدولي وتعهد مبدئيا بإقرار قانون غاتكا
ويهدف القانون إلى مكافحة التهرب الضريبي على الحسابات العالمية لحملة الجنسيات الأميركية والأوروبية والجنسيات المزدوجة. ويسمح للسلطات الأميركية والأوروبية بفرض رقابة مالية على الحسابات المودعة في المصارف اللبنانية، وتبادل المعلومات بشكل فوري. ويقول الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن لبنان التزم بتوقيع اتفاقية “غاتكا” الذي هو قانون “فاتكا” ولكن بصيغة موسعة، وهو مطبق في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وعددها 35 إضافة إلى موافقة نحو 100 دولة أخرى على تطبيقه. وأوضح أن القانون يعطي المنظومة الدولية معلومات عن الحسابات الأجنبية الموجودة في لبنان، ولكن في ظل توفر شرطين هما وجود قرار قضائي صادر عن البلد الذي يطلب المعلومات وجود اتهامات جدية. وأضاف أن إرسال المعلومات المطلوبة لا يتم بشكل تلقائي ومباشر كما تطلب القوانين الدولية، بل بعد تحويل الملف إلى القضاء الذي يملك وحده القدرة على رفع السرية المصرفية عن حساب ما. المشكلة أن هذا السياق لا يناسب دول المظمة التي تصر أن ترسل المعلومات المطلوبة فورا”. وأضاف عجاقة أن “جوهر المشكلة يكمن في أن السرية المصرفية في لبنان خلقت بقانون ولا يمكن رفعها سوى بقانون آخر. هذا الأمر شديد الصعوبة حاليا في ظل الوضع القانوني المختل في لبنان. وكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قد حاول تخفيف الضغط الدولي بشأن قانون “غاتكا” فقدم تعهدا مبدئيا بإقرار التبادل التلقائي للمعلومات، لكن عدم التوقيع رسميا يمكن أن يؤدي لإدراج لبنان في لائحة سوداء للدول المتهربة من الامتثال لمكافحة التهرب الضريبي. وأوضح عجاقة أن “قانون فاتكا كان يتعامل مع المصارف حيث يؤدي امتناع أي مصرف عن التصريح عن زبائنه الأميركيين إلى عقوبات بينها تجميد أمواله، لكن الجديد في قانون غاتكا أنه يتعامل مع معظم الدول المتقدمة ويفرض الاستجابة فورا وإلا تعرضت الدولة لعقوبات”. وأضاف أن المشكلة تتعلق بالسرية المصرفية فوزارة المال في لبنان لا تعرف شيئا عن المواطنين والاستثمارات والحسابات العائدة لهم، والجهة الوحيدة التي تملك الحق في الاطلاع هي هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان. وتساءل “كيف تستطيع وزارة المال إذن تمرير المعلومات وهي غير مطلعة عليها؟ إضافة إلى أن غاتكا يفرض على المصارف التي تحتوي على حسابات لمواطنين لبنانيين من حملة جنسيات أخرى بتقديم بياناتهم. هذا الأمر يتناقض مع طبيعة النظام المصرفي اللبناني الذي يتيح للمواطنين اللبنانيين التمتع بحماية قانون السرية المصرفية”.     جاسم عجاقة: السرية المصرفية لم يعد لها مكان اليوم وعلى لبنان أن يزيلها تدريجيا     وأكد أنه في حال أقر قانون “غاتكا” فسيؤدي ذلك إلى رفع السرية المصرفية، أما عدم اقراره فسيؤدي إلى مضايقة المصارف اللبنانية والإخلال بتحويلات المغتربين وفرض البعض من الدول عقوبات على لبنان ومشاكل كبيرة على مستوى النشاط التجاري. وأضاف أن إقرار القانون قد يتسبب مرحليا في هروب المستثمرين، ولكن النتيجة الإيجابية ستكون في منح النظام المصرفي اللبناني ثقة كبرى، قد تسمح بتحويله إلى قاعدة مصرفية عالمية. ويرى عجاقة أن لبنان ليس أمامه سوى الالتزام بقانون “غاتكا” لأنه لا يستطيع احتمال أي نوع من العقوبات أو الحظر التجاري، في ظل أوضاعه السيئة وحاجته للدعم الدولي. وأشار إلى أن القطاع المصرفي اللبناني يمتلك بنية متطورة تسمح له بالاستمرار في العمل مهما حدث، إضافة إلى وجود سيولة عالية جدا، وقد حافظت الليرة على قيمتها رغم كل الاضطرابات. ودعا إلى سرعة توقيع لبنان على القوانين الدولية وإنهاء السرية المصرفية، التي تسببت في خسائر كبيرة للاقتصاد أكثر مما جلبت مكاسب وأنها تساهم في تمرير الآلاف من الصفقات المشبوهة. وقال إن لبنان قد لا يستطيع رفع السرية المصرفية بسرعة لأن ذلك سيؤدي إلى فتح المئات من الملفات القضائية المرتبطة بالشأن المالي، وأن عليه أن يبدأ برفعها تدريجيا. وأضاف أن “السرية المصرفية لم يعد لها مكان اليوم، لأنها مرتبطة بشبهات عمليات غسيل الأموال، التي تقدر قيمتها بنحو 4 تريلونات دولار سنويا، إضافة إلى ارتباطها بقضايا تمويل الإرهاب. وذكر أن سويسرا حاولت الحفاظ على السرية المصرفية ولكنها رضخت في النهاية، وهو ما يؤكد أن على لبنان أن يبادر للتوقيع على القوانين الدولية، والتكيف معها لأن إيجابياتها تفوق السلبيات المرحلية والمحدودة.

رابط صحيفة العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.