عجاقة لـ «الشرق»: هندسات مالية ملأت فراغ سياسات الحكومة الإقتصادية

0

في آب المنصرم، أصدر معهد Reputation الأميركي تقريراً عن قائمة «أسوأ الدول سمعة» استناداً إلى عوامل أبرزها التسامح، والأمان، ومستوى المعيشة، ومدى جذب السياح. فاحتلت خمس دول معنيّة بحروب المنطقة، مراتب متقدمة في القائمة. كذلك اندرجت قائمة «أسوأ الدول سمعة» لتتحوّل إلى أفضلها، وتضمّنت سبع دول عربية.
ولم يأتِ التقرير على ذكر إسم لبنان في أيّ من القائمتين. فهو حكماً ليس أسوأ الدول سمعةً ولا أفضلها. هذه هي حاله منذ أعوام رغم جهود بذلها بعض مسؤوليه، فكان له نجاح في مجالات… وإخفاق في أخرى.
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من «رجالات الإقتصاد» لا بل «رجالات الدولة»، الذي يجعل لبنان دائماً طليع القوائم الدولية في تقويماتها الإيجابية، هذا الحاكم الذي لا يزال يسطّر نجاحاً تلوَ الآخر على رأس السلطة النقدية، في عالم متضعضعٍ بفعل الإرهاب المتفشي من جهة، والأزمات الإقتصادية المتتالية من جهة أخرى.
فمجلة «غلوبال فايننس» لم تتردّد في لائحتها المتخصصة بـ»أفضل حكام المصارف المركزية» في نحو 75 دولة والصادرة مطلع الشهر الجاري، في إدراج الحاكم سلامة في الطليعة.
الخبير الإقتصادي جاسم عجاقة توقف عبر «الشرق» عند هذا الإنجاز العالمي، مذكّراً بأن «تصنيف هذا العام يُثبّت حاكم مصرف لبنان في لائحة الحكام العشرة الأوائل في العالم مع علامة A على مُجمل أدائهم»، وقال:» إن مصرف لبنان برئاسة الحاكم سلامة، لا يتأثر بالقرارات السياسية التي تتخذها الحكومة. بل على العكس، يلعب حاكم «المركزي» دور الإطفائي في كل المشكلات التي تواجه المالية العامة من دون أن يضع مصرف لبنان في خطر، والدليل الأخير إلى ذلك الإستحقاقات التي سدّدها العام الفائت نيابة عن الحكومة في الوقت الذي كان فيه مجلس النواب معطّلاً. ورغم تردّي الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان، ما زالت الودائع تتهافت إليه ولو بوتيرة أقلّ من السابق. كل هذا في ضوء التزام مصرف لبنان والمصارف التجارية كاملاً بتطبيق القوانين الدولية، ما أدّى إلى زيادة منسوب الثقة بالقطاع ورفعه إلى مستويات عالية فاقت نظيراتها الأميركية والأوروبية. كل ذلك بفضل حاكم مصرف لبنان وفريق عمله الذي استحقّ بجدارة لقبه كأفضل حاكم مصرف مركزي في العالم».
وفي قراءته للواقع القائم، اعتبر عجاقة أنه «في ظل التعطيل الحاصل حالياً في مجلس النواب، لن تستطيع الحكومة الإستدانة لدفع مستحقاتها في الأشهر المقبلة، لذلك سيعمد مصرف لبنان إلى تكرار ما فعله العام الفائت، إنما من دون تحويل البنك المركزي إلى المموّل الأول للدولة اللبنانية»، موضحاً أن «مثل هذه العمليات التي تنقذ الدولة من الإفلاس المالي، كان لها تأثير كبير في دفع تصنيف حاكم مصرف لبنان إلى المراتب الأولى».
ولفت إلى أن «دور مصرف لبنان الذي كان يقتصر على الحفاظ على سعر صرف الليرة، نجح في مهمته على أكمل وجه، وذهب أبعد من ذلك مع ضمان ثبات نقدي لا يتأثر بالعوامل السياسية والأمنية، وسعر فائدة شبه مستقر».
وتابع: «من خلال «هندساته المالية»، استطاع حاكم «المركزي» الحفاظ على سعر فائدة مقبول نسبة إلى مستوى المخاطر السيادية. ومع تدهور المالية العامة منذ 5 سنوات وحتى اليوم، نرى أن أسعار الفائدة على سندات الخزينة حافظت على مستواها من دون أي إرتفاع. هذا الأمر ما كان ليتحقق لولا الهندسات المالية التي قام بها، وآخرها استبداله سندات الخزينة بأخرى لـ»المركزي» حيث استطاع عبر هذه العملية زيادة إحتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية في وقت تشهد المنطقة بأكملها تراجعاً في التمويل بالعملات الأجنبية».
وتوقف عجاقة عند التغيير الأخير في سياسة الحاكم لجهة بدء دعم القطاعات الإقتصادية «وهو عادة من عمل الحكومة ومسؤوليتها ضمن سياستها الإقتصادية».
وأشار إلى أن «الليرة استطاعت الحفاظ على قيمتها كل هذه الفترة، بفضل السياسة النقدية المُتبعة»، وقال: «هذا الثبات النقدي سمح للمواطن اللبناني باستمالة الثقة بعملته الوطنية وباقتصاده، فأخذت الإستثمارات طريقها وأصبح الإيمان بلبنان واقتصاده يتنامى مع الوقت وترجمت جلياً في جذب الإستثمارات الخليجية التي دفعت بالإقتصاد اللبناني إلى مستويات نمو عالية. لكنه ليس السبب الوحيد الذي على أساسه تم تصنيف حاكم مصرف لبنان، بل هناك أيضاً رُزم الإستثمارات التي يُقدّمها كل عام لدعم القطاعات الواعدة مثل التكنولوجيا والقطاع العقاري. وسمحت هذه الرُزم للإقتصاد الوطني في السنوات الأخيرة، بالإحتفاظ بوتيرة معيّنة من النمو».

انخفاض التضخم على نحو ملحوظ
على صعيد التضخم، قال: تظهر أرقام صندوق النقد الدولي، منذ تسلم الحاكم سلامة منصبه في آب 1993، أن التضخم في لبنان انخفض على نحو ملحوظ من رقمين إلى ما دونهما مع استثناء وحيد في الـعام 2008 حيث فاق التضخم الـ10%، والسبب يعود إلى فورة العقارات في ذلك الحين والتي لعبت دوراً أساسياً في خلق التضخم.
وتابع: «من هنا يظهر أن السياسة المتّبعة من قبل سلامة استطاعت السيطرة على التضخم بعدما بلغ نِسباً مُخيفة في ثمانينيات القرن الماضي وأوائل تسعينياته (487% في 1987، 155% في 1998، 72% في 1989، 69% في 1990، و50% في 1991)».
ولم يغفل عجاقة الإشارة إلى «الإستقلالية الإقتصادية للحاكمية» إذ قال: «حرية مصرف لبنان واستقلاليته في تثبيت سعر الفائدة، عدم كونه المموّل الأول للدولة اللبنانية، وإقراض الدولة على سعر فائدة السوق، ودعمه لبعض القطاعات، تجعل منه مصرفاً مركزياً مستقلاً إقتصادياً ولا يخضع للحكومة ولا لقراراتها الإقتصادية والمالية».
وأضاف: «إن البنك المركزي اللبناني صُنّف في عدد كبير من الأبحاث المالية والإقتصادية والمصرفية، الأول من ناحية الإستقلالية كما تُثبته على سبيل المثال دراسة Sturn and de Haan – 2010  التي صنّفت مصرف لبنان في المرتبة الأولى بين دول الـ»مينا» MENA مع 0.6 لمؤشر  Cukierma».
وعن المعايير التي يتمّ اعتمادها في تصنيف «أفضل حكام المصارف المركزية»، قال:» منذ 1994، تصنّف المجلة حكام المصارف المركزية. وتكمن أهمية هذا التصنيف في كونه أداة لقياس أداء حكام المصارف المركزية، والسياسات المُتبعة واستئصال أفضل الممارسات Best Practices . ويسمح من جهة بتصنيف أداء المصرف وبالتالي تسهيل معرفة مدى تطبيقه القوانين المرعية في الإقتصادات التي تتبع السوق الحرّة. وينصّ التصنيف على إعطاء علامة من A (وهي الأعلى) إلى F (وهي الأدنى – فشل) لكل حاكم على أدائه في القطاعات الآتية: السيطرة على التضخم، أهداف النمو الاقتصادي، الثبات النقدي، إدارة سعر الفائدة، إستقلالية المصرف، الإستقلالية الاقتصادية…».
وختم لافتاً إلى أن «هذه المعايير أساسية في الإقتصاد وفي القطاع المالي لجهة دور المصرف المركزي الأساس والمحوري في تحديد السياسة النقدية وبالتالي السيطرة على التضخم، وكذلك في الحياة الإقتصادية من خلال اللعب على أسعار الفائدة، الأمر الذي يدعم النمو الإقتصادي».
رابط الشرق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.