هل يفقد الدولار حصريته في التجارة الدولية؟

0

يجتمع رؤساء العشرين دولة الأكثر ثراء في العالم في هانغزو – الصين في الرابع والخامس من أيلول للبحث بعدة أمور سياسية، أمنية، إقتصادية وبيئية. وبالنظر إلى المواضيع المطروحة نرى أن هناك عدد قليل من المواضيع ستستحوذ على كل الاهتمام وعلى رأسها الدولار الأميركي ودوره في التجارة الدولية.  مجموعة العشرين هي عبارة عن مجموعة مؤلفة من 19 عشرة دولة إضافة إلى الإتحاد الأوروبي (أفريقيا الجنوبية، ألمانيا، السعودية، الأرجنتين، أوستراليا، البرازيل، الصين، كندا، كوريا الجنوبية، الولايات المُتحدة الأميركية، فرنسا، الهند، أندونيسيا، إيطاليا، اليابان، المكسيك، بريطانيا، روسيا، تركيا، والإتحاد الأوروبي). تم إنشاء هذه المجموعة في العام 1999 بعد الأزمات المالية التي عصفت بدول جنوب شرق أسيا. وتهدف هذه المجموعة إلى التعاون الدولي في المجال الاقتصادي والمالي لحفظ التوازن المالي خصوصًا مع القدرة الإقتصادية لبعض الدول الناشئة والتي بغياب التعاون قد تُسبب الأزمات المالية. ويجتمع رؤساء هذه الدول مرة في السنة لإقرار المواضيع التي إتفق عليها وزراء المالية وحكام المصارف المركزية لهذه الدول كما وبحث الأمور العالقة. وتأتي أهمية إجتماعات مجموعة العشرين من حجمها التجاري حيث تُمثّل أكثر من 85% من حجم التجارة العالمية وكذلك من ناحية أنها تُمثل ثلثي عدد سكان العالم وأكثر من 90% الناتج المحلّي الإجمالي العالمي. على جدول أعمال هذا العام، يتواجد المئات من البنود التي ستُقرّ، لكن هناك مواضيع تبقى موضوع بحث ونقاش مثل إتفاق باريس البيئي والذي لم توقعه حتى الساعة أكبر دولتين ملوثتين (أي الولايات المُتحدة الأميركية، والصين) مع أكثر من 40% من الغازات المُضرّة. وما يهمنا في نطاق هذا المقال هو موضوع الدولار الأميركي ودوره في التجارة العالمية خصوصًا أن العديد من البلدان  بدأت ترفع الصوت عاليًا لرفض الدولار كعملة مرجعية نظرًا للتقلبات التي يتعرّض لها الدولار. إتفاقات برتن وودز “Bretton Woods” هي مجموعة إتفاقات شكلت الأسس للنظام المالي العالمي من العام 1944 إلى العام 1973، ومن خلال هذه الإتفاقات تمّ إنشاء البنك الدولي، صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وكان الهدف الأول لهذه الإتفاقات وضع نظام مالي عالمي وتحفيز الإنماء والتجارة في الدول التي عصفت فيها الحروب. وبموجب هذه الإتفاقات تم تنظيم النظام المالي العالمي حول الدولار الأميركي مع ربطه بالذهب. المُشكلة التي واجهت إتفاقات برتن وودز هي عدم تحديد كمية الدولار الأميركي التي يُمكن للولايات المُتحدة الأميركية إصدارها ويسمح لها بإحترام إلتزاماتها تجاه الخارج. حتى العام 1958، كان كمية الدولارات الموجودة في السوق قليلة، لكن خلق السوق الأوروبي سمح للمستثمرين الأوروبيين بإمتلاك دولارات من دون رقابة الولايات المُتحدة الأميركية. وهذا الأمر سمح بوجود فرص ربح بين الجنيه الإسترليني والدولار الأميركي (الإستيدان بالجنيه والإستثمار بالدولار الأميركي). وبالتالي أصبح السوق الأوروبي يحوي على 3 مليار دولار أميركي في العام 1961 وهذا الرقم هائل نسبة إلى ذلك الوقت، ووصل إلى 46 مليار دولار أميركي في العام 1970. بالطبع أدّى هذا الواقع إلى وجود كمية دولارات تفوق الإحتياطات العالمية من العملات في العام 1975.
من هذا المُنطلق أصبح التضخم سيد الموقف ومع حرب فيتنام والمصاريف التي نتجت عنها، قامت الإدارة الأميركية بطبع الدولار مما جعلها تملك إحتياطات هائلة بالدولار أدّت إلى زيادة التضخم بشكل كبير. وفي العام 1971، أوقفت الولايات المُتحدة الأميركية طلبات بدل الدولار الأميركي بالذهب نظرًا إلى أن الطلب أصبح أكبر من الإحتياطات، وبالتالي إنهار نظام سعر الصرف الثابت. وفي العام 1973، تمّ وقف العمل بإتفاقات برتن وودز بشكل نهائي. هذا الأمر أظهر إلى العلن مُشكلة ثبات سعر صرف العملات حيث عاشت العديد من الدول الأوروبية أزمة ثبات نقدّي دفع بها إلى التحضير للعملة المُشتركة أي اليورو. أخذ الوضع الأقتصادي العالمي في أوائل السبعينات يتعلق بشكل كبير بسعر صرف الدولار الأميركي والذي كان يتغيّر بشكل حاد في بعض الأحيان. وأتت أزمة البترول في العام 1973 كردّة فعل عنيفة من قبل الأوبك على إنخفاض سعر صرف الدولار. هذا التعلّق بالدولار إستمرّ مع الوقت ويُعدّ إرتفاع سعر صرف الدولار الأميركي في أواخر التسعينات من الأسباب الرئيسية للأزمة التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا. المُشكلة المطروحة اليوم تتعلق بإعتماد الدولار الأميركي كعملة مرجع في التجارة الدولية، فمع التغيرات القوية في سعر صرف الدولار الأميركي (Volatility)، يعمد المُصدّر إلى تغيير أسعاره بناءً على هذه التغيرات (مثلًا سعر برميل النفط) حيث ولتعويض الخسارة الناتجة عن ضعف الدولار، يعمد المُنتج إلى رفع أسعاره والعكس للمحافظة على التنافسية. لذا ومن هذا المُنطلق سيتم البحث خلال اجتماع العشرين في حصرية الدولار في النظام المالي العالمي حيث هناك إقتراحات للذهاب بإتجاه تعددية الأقطاب بعد ما كان الدولار الأميركي مُسيطرًا. وعلى رأس هذه العملات اليورو واليوان الصيني وهنا العقبة الأساسية التي تواجه المحاداثات، إذ أن الولايات المُتحدة الأميركية لن تقبل بهذا الأمر. وبالتالي سيكون هناك مواجهة بين دول البريكس والولايات المُتحدة الأميركية. الجدير بالذكر أن روسيا وتركيا تُفكران جدّيًا في إعتماد عملاتها الوطنية في التبادل التجاري الثنائي وذلك تفاديًا للمرور بالدولار الأميركي خاصة أن الليرة التركية والروبل الروسي يواجهان مشاكل جمّة أمام الدولار الأميركي. بالطبع لن يكون التوصّل إلى حلّ سهل، لكن وبفرضية القبول بتعددية الأقطاب يبقى عدد من المشاكل التي يجب حلّها مثل مشكلة السيولة العالمية. فهذه المُشكلة تبقى بدون شكّ رهينة صلابة سعر صرف العملات ودرجة التعاون بين الدول لتفادي حرب العملات.

رابط النشرة الإقتصادية  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.