مهرجانات صيف لبنان… “زوجي أقوى من زوجِك”!

0

بنغمةٍ وأغنية… برقصةٍ ومقطوعة موسيقية شرقية أو غربية… تضرب أضواء مهرجانات صيف لبنان لنفسها موعداً سنوياً مع السماء، بمحاولات “مزغولة” لاستعادة حضور لبنان على خارطة الفن والثقافة العربية والعالمية رغم كل ما يعيشه من فراغ وأزمات معيشية واقتصادية مستنسخة. فمن شماله إلى جنوبه ومن ساحله إلى جبله وسهله، يشهد صيف لبنان عشرات المهرجانات الفنية التي تتوزع على مختلف المناطق، خالعةً عن لياليها ثوب الثقافة الذي خُلقت لأجله. فنراها تتكاثر صيفاً بعد صيف بشكل طفيلي متسارع على مبدأ الحيثيات الزعاماتية والسياسية، حتى بات لكل سيدة (زوجة زعيم، رئيس، وزير، أو نائب) مهرجانها الخاص بها والذي تحشد له بكل ما استطاعت من قوة على مبدأ (زوجي أقوى من زوجِك) و(مهرجاني أحلى وأكبر من مهرجانِك).  يقدم لبنان العديد من المهرجانات السنوية التي يستمر بعضها لأيام أو لأسابيع في مختلف المناطق اللبنانية. ويتمّ في هذه المهرجانات إحياء حفلات حيّة تلمع فيها أسماء شهيرة في سماء الفن لنجوم لبنانيين وعرب وعالميين. ويعود تاريخ المهرجانات في لبنان إلى العام 1956 حينما ولدت مهرجانات بعلبك الدولية بتشجيع من الرئيس كميل شمعون تأكيداً على دور لبنان التاريخي في تطوّر الثقافة والحضارة. لتكرّ من بعدها سبحة المهرجانات ولتتمرد على منطق الثقافة وتخضع لمنطق الاستهلاك، وتجاوزت تلك السبحة مفهوم الزعامات والمناطق والمدن لتصل إلى البلدات، القرى والأحياء حتى. فما هو تاريخ المهرجانات في لبنان، ما الهدف الرئيس الذي انشئت لأجله، وهل ما زالت تحافظ على علّة خلقها، وما السبب وراء الطفرة المفرطة لولادتها، وهل ما زالت المهرجانات تعكس وجه لبنان الثقافي، كيف توزّع خارطتها، ما الذي يمنح المهرجان ميدالية ذهبية وأخرى فضية أو برونزية أو حتى بلاستيكية في بعض الحالات، وهل فورة المهرجانات الصيفية دليل صحة وعافية اقتصادية أم يبقى حبل المنافسة ذلك مربوطاً بغيرة سيدات الصف الأول من كل منطقة؟ تاريخ المهرجاناتفي رحلةٍ تاريخية يأخذنا الكاتب والمسرحي عبيدو باشا إلى ولادة المهرجانات وعلة وجودها، حيث كانت مهرجانات بعلبك الدولية أول مهرجانات رسمية في تاريخ لبنان، في خمسينات القرن الماضي، برعاية الرئيس كميل شمعون وبإدارة زوجته زلفا شمعون، وكان الهدف الرئيس منها إقامة الليالي اللبنانية، وتقديم عمل ثقافي فني لبناني على مدارج بعلبك، وكانت الفكرة التي أرادها الرئيس شمعون من وراء هذه المهرجانات إحياء العلاقة بين مجموعة من الفنانين اللبنانيين ليتعاضدوا مع بعضهم البعض ويقدموا مجموعة من العروض الفنية الثقافية في بعلبك. وفي المقام الأول كان هناك أسماء لبنانية كبيرة أمثال الأخوين الرحباني وروميو لحود، فيروز، صباح ، وديع الصافي، نصري شمس الدين ، وغيرهم. وبعد أن تسلمت لجنة سيدات بعلبك المهرجانات نفذت شيئاً لم يتكرر في أي مهرجان حديث آخر، فساهمت بالإضاءة على مواهب لبنانية وإطلاقها في الفضاء اللبناني، والتفتت اللجنة لحالة منير أبو دبس الذي جاء مع الفريق الفرنسي للعمل على تلفزيون لبنان في ستينات القرن الماضي وقدم هو ورفاقه ريمون جبارة وأنطوان ولطيفة ملتقى وآخرون مسرحيات عرضت مباشرة على هواء تلفزيون لبنان، وقدم أبو دبس على مسرح بعلبك أول مسرحية بتاريخ المهرجانات، وأنشا من بعدها بالتعاون مع لجنة سيدات بعلبك فرقة مسرح لبنان الحديث، وانشأ المسرح الشهير في المنارة، وكانت مهرجانات بعلبك السبب وراء إطلاق تجربة مسرح لبنان الحديث في لبنان، ثم جرى التمرد على أبو دبس من قبل بعض العاملين معه وراحوا إلى منطقة راشانا وخلقوا حلقة المسرح اللبناني الحديث. حتى بات يوجد حينها فرقتان مسرحيتان تتنافسان واحدة منهما على مسرح بعلبك وأخرى من على مسرح جبيل، وبدأت المهرجانات تتنافس على تقديم أفضل المسرحيات، وكرّت سبحة الفرق المسرحية من بعدها. حلقة مفقودةأما اليوم، فيؤكد باشا في حديثه لـ”البلد” بأن الحلقة الأساسية التي قامت على أساسها المهرجانات هي الحلقة المفقودة في المهرجانات اللبنانية في الوضع الراهن، وانتقلت المهرجانات من مفهوم الإنتاج الثقافي إلى مفهوم الاستهلاك الثقافي. فـ” فقدنا الحوافز والدور الأساسي للمهرجانات التي فقدت مفهومها التنموي على صعيد الثقافة في لبنان اليوم ووقعت في مفهوم استهلاكي تجاري بحت”. وما عاد همّها التفتيش عن المواهب اللبنانية الجديدة ومنحها الفرصة لتقديم أولى أعمالها بقدر ما همّها تقديم عروض عربية وأجنبية عبر شركات الانتاج. “نقتطع بطاقات… تأتي الناس… تصفق… وتغادر المهرجان، ولا أثر ثقافي يُقتطف من بعد تقديم العروض الفنية سواء كانت لبنانية عربية أو أجنبية”. “بقع مهرجانية”ويشير باشا إلى أن بعض المهرجانات الرئيسة تلجأ لتقديم عروض مسرحية جاهزة ومعروفة أو ذائعة الصيت “استسهالاً وضمانة لجذب الناس” في الوقت الذي تدور فكرة المهرجانات الأساسية حول حضور المفهوم التنموي في بناء ثقافة لبنانية حديثة تتعاطى مع الواقع من خلال التطورات في العالم، وبالتالي لم يعد للمهرجانات اي أدوار ثقافية تلعبها على صعيد الخروج عن نمط العروض الأجنبية. وعن طفرة المهرجانات يقول باشا ان المنافسة بين المناطق ونوعا من المحاصصة السياسية في البلد خلقا هذه الطفرة، التي لا خير فيها طالما أنها تخرج عن الشروط الأولى للمهرجانات وهي تمويل والسماح للتجارب الشابة بأن تتعاضد لتبني حالة ثقافية نحن بحاجتها اليوم في لبنان الذي كان قدوة ثقافية عربياً وعالمياً. ويعبّر باشا عن فرحه بالحضور النسائي على مستوى إدارة المهرجانات رغم كل ذلك فـ”من الجيد أن يكون للسيدات أدوارهن على صعيد علاقة وإن كانت مزغولة بتنظيم المهرجانات”. ويصنّف المهرجانات في لبنان بثلاثة مهرجانات كبرى “بعلبك، بيت الدين، وجبيل” تلحقها مهرجانات رابعة اليوم وهي “مهرجانات إهدن” ويصف ما تبقى بـ”بقع مهرجانية”. عامل ثقة لاولمعرفة ما إن كان لهذه المهرجانات منفعة اقتصادية كان لـ”البلد” حديث مع الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، الذي أكد بأن المهرجانات دليل صحة وأمن وبالتالي تشكل بحضورها عامل ثقة بالاقتصاد، ولكن فعلياً على الأرض تبقى المهرجانات محدودة لناحية تداعياتها على الاقتصاد لأنها تفيد بشكل موقت ومحصور بعض تجار المنطقة لا أكثر ولا أقل. ومهما بلغت نسب بيع البطاقات تبقى مضمحلة لا تساوي شيئا نسبة لاقتصاد كبير. فـ”بالمجمل المهرجانات لا تتمتع بوزن اقتصادي كبير بل تأثيرها ينحصر في أنها تلعب على الثقة، وهي دليل إيجابي على استتاب الأمن وبالتالي عامل ثقة، ولكن تبقى ترجمة هذه الثقة أيضاً محدودة كون الثقة بالاقتصاد لا تتعلق فقط بعامل الأمن الذي هو العامل الأول ولكنه ليس الوحيد”، ومن عواميد الثقة في الاقتصاد عوامل خمسة أخرى غير موجودة، كـ”الثبات السياسي، تبادل السلطة، محاربة الفساد، الإصلاحات والخطة الاقتصادية، وتطبيق القوانين”. موضحاً أن المهرجانات لا تتجاوز عامل الثقة ذلك، إضافة إلى إنها عنوان للمنافسة بين رجال السياسة والشخصيات ليحيي كلٌّ منطقته عبر المهرجانات المربوطة بأسمائهم، مع خصوصية ورمزية وتاريخية لمهرجانات بعلبك التي غيابها يعني بأن الوضع الأمني سيئ جداً، والدليل إلغاؤها منذ سنتين ونقلها إلى المتن بسبب الأوضاع الأمنية التي كانت متوترة. غاية مغيّبةوبالعودة إلى دور المهرجانات وغايتها المغيبة، فـ”قليل من الوعي، قليل من النضوج، والتمتع برؤية مستقبلية غير استهلاكية من قبل القيّمين على المهرجانات، وبعض الدعم من الوزارات المعنية لا سيما السياحة، عبر لعب دورها بتحفيز هذه المهرجانات لتستعيد دورها الثقافي” هو الحل برأي باشا. ما يخلق بالمرحلة الأولى في المهرجانات تداخلاً بين المفهومين السياحي والثقافي، وتقليص السياحي لحساب الثقافي في ما بعد، حتى نذهب الى مهرجانات ذات طابع ثقافي ثقيل تصبح مقصداً للسياح وتعيد لبنان الى الخارطة الثقافية العالمية. رابط البلد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.