البعد الاقتصادي للأزمة السورية

0

خمسة أعوام وخمسة أشهر مرّت على بدء الأزمة السورية. مطالب في البدء كانت سورية محض لكنها ما لبثت أن جمعت أكثر من ٨٠ جنسية تُقاتل في سوريا. الظاهر في العلن هو الصراع السنّي-الشيعي المُتمثل بالصراع السعودي-الإيراني، لكن ماذا عن البعد الاقتصادي لهذه الازمة؟

٢٦ شباط ٢٠١١، قامت قوات الأمن السورية بإعتقال أطفال في درعا على خلفية كتابتهم لشعارات مناهضة للنظام ومطالبة بالحرية. التظاهرة التي تلت في ١٥ أذار من نفس العام أسست لما يُسمّى اليوم بالثورة السورية إذ أنها شكّلت شرارة الإنطلاق لعشرات التظاهرات التي لفت البلاد والتي كان الردّ النظامي عليها عملية عسكرية واسعة في ٢٥ نيسان. وتوالت العمليات العسكرية وأخذت معها المعارضة بالتسلّح إلى أن إندلعت المعارك بالمعنى العسكري للكلمة في ١٥ تمّوز ٢٠١١. خلال هذه الفترة أخذت الدول الإقليمية والدولية بدعم المعارضة والتي أدّت إلى خلق ما يُسمّى بالجيش السوري الحرّ. لكن سرعان ما ظهر إلى العلن وجود تنظيمات مُسلحة مُعارضة، تفوق الجيش السوري الحرّ عتاداً وعديداً. لاحقاً تبين أن هذه التنظيمات تلقت أسلحة بشكل كبير وعديدها لم يعد يضمّ سوريين بل أصبح اليوم يضم ما يفوق الـ ٨٢ جنسية تُقاتل في سوريا لأسباب مُعلنة تتعلق بالصراع السنّي الشعيي والذي يُغذيه كل من السعودية وإيران عبر دعم مُعلن بالسلاح. لكن السؤال المطروح: هل الأمر يتوقف فقط على الصراع السني-الشيعي؟ وما هو دور المصالح الاقتصادية في هذه الحرب التي أودت بحياة أكثر من ٢٥٠ ألف شخص بينهم ١٠٠ ألف مدني؟ الموقع الإستراتيجي لسوريا…موقع سوريا الجغرافي يجعل منها موقع رغبة في التجارة العالمية، فهي تمتد من الحوض الشرقي للبحر الأبيض المُتوسط إلى حدود العراق والأردن (مساحتها ١٨٥ ألف كم٢) مما يجعل منها مثالية للترانزيت البري الذي يبقى الأقل كلفّة. أضف إلى ذلك، سمح هذا الموقع لدول الخليج بمدّ أنابيب نفط من العراق والسعودية إلى لبنان عبر سوريا وذلك في أوساط القرن الماضي. إلا أن طبيعة النظام السوري الاقتصادية والتي تتراوح بين الإشتراكية والشيوعية حدّت من إستفادة سوريا من موقعها الإستراتيجي كما أن خلافاتها مع الأنظمة العربية وخصوصاً الخليجية حرمها من الكثير من التعاون التجاري مع هذه الدول الذي كان ليُحدث نقلة نوعية في حياة الشعب السوري. الثروات الطبيعية…تمتلك سوريا ثروات طبيعية تتمثل بالنفط (إحتياط ٣٥٠ مليون طن في العام ٢٠٠٠)، والغاز (إحتياط ٢٤١ مليون م٣ في العام ١٩٩٩)، والمياه (٤٠٪ من إنتاج الكهرباء هو كهرومائي)، والفوسفات مع ٢.٢ مليون طن (المرتبة العاشرة عالميًا)، والرخام مع ١٨٣ ألف طن، والملح ٧٢ ألف طن، والإسفلت ٨٢ ألف طن. بالطبع هذه الأرقام تعود إلى ما قبل إكتشاف الثروة النفطية والغازية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المُتوسط في العام ٢٠١٠ من قبل وكالة الـ USGS الأميركية والتي تُقدّر بنفس حجم الثروة النفطية والغازية في لبنان. والمُلاحظ أن سوريا لم تستطع إستخدام ثرواتها الطبيعية كما يجب وذلك منذ إستقلالها والسبب يعود إلى ضعف الإستثمارات فيها وإلى إقتصادها الذي كان موجهًا أكثر إلى الاقتصاد الشيوعي وبالتالي تمّ حرمانها من العديد من الفرص الاقتصادية لتكون دولة إقتصادية محورية في الشرق الأوسط. الحرب مُبرّرة إقتصاديًا…قبل البد بالتحليل، يمهنا أن نُشدّد على أننا لن نتطرّق للشق السياسي وذلك من منطلق أن هذا المقال هو مقال إقتصادي. وبالتالي فإن غياب التبرير السياسي لا يعني إهمالاً منا ولا يعني أن هذا الشق غير موجود. مما لا شكّ فيه أن النظام السوري الحالي لا يُناسب إقتصاديًا العديد من الدول وعلى رأسها الدول الخليجية. فالصراع العربي – الإيراني يجعل من مضيق هرمز الذي يمرّ عبره أكثر من ٤٠٪ من النقل البحري للنفط في العالم، عرضة للمزاج الإيراني. وموقع مضيق هرمز في العمق الإيراني يجعله ساقط عسكريًا وبالتالي فإن أي عمل عسكري إيراني يؤدي حتمًا إلى إقفال المضيق ومعه يتوقف تصدير بترول قطر، والكويت، والعراق والسعودية. من هذا المُنطلق تتحمّل دول الخليج العربي خطرًا كبيرًا بتعلقها بمضيق هرمز. والبديل بالطبع والذي يعود بأقل كلفة وبأمان أكثر هو تمديد أنابيب غاز ونفط من هذه الدول إلى البحر الأبيض المُتوسط مما يعني تمريرها إلزاميا بسوريا عبر العراق والأردن. وهنا تكمن المُشكلة إذا أن العراق يقع تحت تأثير النفوذ الإيراني والنظام السوري يُمكن إعتباره نظام مُعادي لدول الخليج العربي وبالتالي يجب تغيير الأنظمة في هاتين الدولتين. أيضًا وعلى صعيد القدرات الاقتصادية لسوريا، فإن النظام السوري بسياسته الاقتصادية الإشتراكية – الشيوعية، لا يضر فقط سوريا بل يضر دول المنطقة ككل من ناحية الفرص الإقتصادية المُحتملة التي يوفتها النظام من خلال إقفاله لسوق من ٢٥ مليون مُستهلك كما والمشاريع التي يُمكن القيام بها. وعلى هذا الصعيد، يُمكن القول أن النمو الإقتصادي التركي يعود بجزء كبير منه إلى غياب فرص الإستثمار في سوريا. إعادة الإعمار هي الأساس…قدّر البنك الدولي إعادة إعمار سوريا بأكثر من ٢٠٠ مليار دولار أميركي إضافة إلى ثروة نفطية تفوق الـ ٣٠٠ مليار دولار أميركي. وهذا يعني أن هذه الثروة يجب تقاسمها بين اللاعبين الأساسيين أي الولايات المُتحدة الأميركية وروسيا والدول الإقليمية كدول الخليج. ولفعل هذا تأتي الحرب لتضع ديون على سوريا (تكلفة الحرب + إعادة الإعمار + التعويضات) يتمّ تسديدها من الثروة النفطية بالدرجة الأولى لكن أيضًا من حقوق تمرير أنابيب الغاز والنفط في الأراضي السورية والمشاريع التي سيتمّ القيام في سوريا. من هنا نرى أن البعد الإقتصادي في الأزمة السورية هو بعد أساسي سواسية مع البعد السياسي وبالتالي لا يُمكن تجاهله. وتبقى المُشكلة بيت الأفرقاء على توزيع الحصص، وما إستمرار الأزمة السورية إلا نتيجة عدم إتفاق هؤلاء الأفرقاء على التوزيع مما يجعل لعبة الميدان عامل أساسي في تحديد الحصص وفي المفاوضات الثنائية بين الولايات المُتحدة الأميركية وروسيا. وهنا يُمكن القول أن محادثات جنيف عبارة عن proxy للمحادثات الثنائية بين الولايات المُتحدة الأميركية وبين روسيا بالدرجة الأولى وبين دول المنطقة بالدرجة الثانية. يُعلمنا التاريخ أن البشرية كانت عرضة لعدد من موازين القوى الإقتصادية المعروفة كالكفاح من أجل العيش، الإستعمار، الإستعباد، إحتلال البلدان، المنافسة الإقتصادية والمواجهات الجيو إقتصادية، والتي أدّت إلى ترسيخها كقوانين غير موجودة في الكتب الأكاديمية. اليوم كلمة “حرب إقتصادية” أصبحت حقيقة في العلاقات الدولية لها تأثيرها على الحياة اليومية للإنسان. والعلاقات الخارجية التي كانت في الماضي علاقات جيوسياسية بين الدول أصبحت اليوم علاقات جيو إقتصادية تفوق الحروب العقائدية كالصراع السني – الشيعي أو الصراع بين الشرق والغرب. فهل فهم القادة العرب طبيعة هذه العلاقة وهل يتصرفون على أساسها؟ 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.