اللبناني “يتفقّر” 1000 دولار سنوياً

0

يُعتبر ميزان المدفوعات من أهم المؤشرات المالية التي تُستخدم من أجل تقييم الوضع المالي لبلد مُعيّن، إذ تستخدمه وكالات التصنيف الإئتماني بشكل كبير لتقييم الوضع المالي. وتحليل ميزان المدفعوات في لبنان يُظهر أن لبنان يُعاني عجزاً قاتلاً في الميزان التجاري.

يتكون ميزان المدفعوات من مجموع العمليات التي تتمّ بين بلد معيّن (المقيمون) والخارج (غير المقيمين) خلال فترة معيّنة عادة ما تكون سنة. ويتمّ إحتساب ميزان المدفوعات على أساس مبدأ المحاسبة، التي تنص على تسجيلها مرتين في الحسابات الوطنية. فمثلاً إستيراد البضائع يُسجّل بخروج أموال من الميزان التجاري ودخول أموال في ميزان رؤوس الأموال. من هنا تأتي كلمة “ميزان” التي تعكس توازناً مُستمراً لهذا الحساب، لذا، من المهم فهم مكونات هذا الميزان وخصوصاً الحسابات الوسيطة، مثل حساب العمليات الجارية، نقل المداخيل. ويتكون ميزان المدفعوات من:(1) رصيد العمليات التجارية الذي هو عبارة عن الفرق بين الصادرات والواردات؛(2) رصيد العمليات غير المرئية، التي تضمّ الفرق بين تصدير وإستيراد الخدمات، إستعادة الأرباح، وتحاويل المنظمات الدولية العاملة في البلد (من وإلى)؛(3) رصيد حساب رؤوس الأموال الذي يشمل صافي نقل رؤوس الأموال من وإلى البلد؟(4) الإستثمارات المباشرة، وهي عبارة عن صافي إستثمارات الأجانب المباشرة في البلد وإستثمارات البلد في الخارج؛(5) الإستثمارات في المحافظات؛(6) القروض الخارجية؛(7) الإحتياطات بالأمانة. وبدراسة هيكلية ميزان المدفوعات للبنان يظهر أن الميزان التجاري يُسجّل عجزاً مُفرطاً. وذلك منذ عقود، مع عجز شبه كلّي للماكينة الإقتصادية في تلبية الطلب الداخلي. وبالتالي، نرى أن هناك خروجاً لأموال كبيرة سنوياً بلغ ذروته في العام 2013 مع 17.3 مليار دولار ليعاود الإنخفاض إلى 15.1 مليار دولار تحت تأثير إنخفاض أسعار النفط وتراجع سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي. أما تصدير الخدمات وإستيرادها فيظهر بحسب أرقام المركز الدولي للتجارة (ITC) للعام 2014، أن ميزان الخدمات متوازٍ مع ما يُقارب 13 مليار دولار، إستيراداً وتصديراً. وفي ما يخص تحاويل المنظمات الدولية وإستعادة الأرباح، فهي تبقى ضئيلة في الإتجاهيين. وبالتالي، فإن ميزان العمليات غير المرئية يوازي صفر. أما في ما يخص حساب رؤوس الأموال، فنرى أن حجم الأموال التي تدخل لبنان كبيرة مع ذروة في العام 2009 بلغت 20.7 مليار دولار، لتُعاود إنخفاضها إبتداءً من العام 2010 وتهبط إلى 11.8 مليار دولار في العام 2015. وبالنظر إلى تحاويل المُغتربين، نرى أن حجمها بلغ الذروة في العام 2013 مع أكثر من 7.8 مليار دولار، لتعاود الإنخفاض في العامين 2014 و2015 بفعل إنخفاض أسعار النفط إلى 7.1 مليار دولار في العام 2015. أما الإستثمار الأجنبي المُباشر فقد إنخفظ من 4.8 مليار دولار، وهي أعلى نقطة له في العام 2009، إلى 2.34 مليار دولار في العام 2015، أي أقلّ من النصف.

وعلى صعيد الودائع المصرفية لغير المُقيمين ولغير القطاع المالي، فقد بلغت 64.4 مليار دولار مع تغيرات شهرية بمعدّل 400 مليون دولار، أدّت إلى زيادة الودائع بـ18.4 مليار دولار منذ 31/10/2012. وتبقى القروض الخارجية والإحتياطات بالأمانة والتي هي بالمُطلق ضئيلة نتيجة عدم تكرارها إذا ما وجدت. وبالتالي، يُمكن إعتبارها غير موجودة. كل هذا يوصلنا إلى النتيجة “التعيسة” التالية: إن ميزان المدفعوات أخذ يُسجّل عجزاً كبيراً، منذ العام 2011 بعدما بلغ 2 مليار دولار في العام 2011، و1.54 مليار دولار في العام 2012، و1.13 مليار دولار في العام 2013، و1.41 مليار دولار في العام 2014 و3.35 مليار دولار في العام 2015. هذا التراجع الكبير يأتي بعدما سجّل هذا الميزان فائضاً تاريخياً في العام 2009 مع 7.9 مليار دولار، وهو بالدرجة الأولى من تحاويل المُغتربين ومن الإستثمارات الأجنبية المباشرة. وتُشير البيانات التاريخية إلى أن عجز ميزان المدفوعات في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2016 بلغ 899 مليون دولار مقارنة بـ714 مليون دولار في الفترة نفسها من العام 2015. وهذا يعني أنه بالوتيرة نفسها، سيُسجّل هذا الميزان عجزاً في آخر العام 2016 بقيمة 4.22 مليار دولار، أي أن لبنان يخسر سنوياً بقيمة 4.22 مليار دولار. وهذا يعني أن اللبناني يعيش فوق مستوى قدراته المالية. وبالتالي، هذا العجز في ميزان المدفوعات يتحول تلقائياً إلى دين عام. أين تكمن المُشكلة؟تكمن المُشكلة، بالدرجة الأولى، في الميزان التجاري الذي يُسجّل عجزاً لا يُمكن للإقتصاد اللبناني ولا للمالية العامة تحمّله. فالإهمال الذي يضرب السياسة الإقتصادية وبالتحديد الماكينة الإقتصادية يجعل الميزان التجاري في حالة عجز تشدّ الوضع المالي إلى الأسفل.

وبالنظر إلى الصادرات والواردات، نرى أن صادرات لبنان لا تُغطّي إلى 16.33% من الواردات، وبمعنى آخر إن مدخول الصادرات لا يُغطّي هذه النسبة، مما يستورد لبنان. وبالتالي، يُطرح السؤال عن نمط معيشة اللبناني الذي يستهلك أكثر من قدرته الإنتاجية. ويُطرح السؤال عن قدرة الماكينة الإنتاجية اللبنانية على الدخول إلى مُنظمة التجارة الدولية، التي ستزيد من عجز الميزان التجاري. وبالتالي، عجز ميزان المدفوعات. وهنا، يتوجب القول إن هذا الأخير تستخدمه وكالة التصنيف الإئتماني “ستندارد أند بورز” في تقييم التصنيف الإئتماني للدول. وبالتالي، يجب أن نتوقع تراجع التصنيف الإئتماني للبنان إذا ما إستمررنا على هذا الوضع. ما هو الحل؟الحل هو في زيادة الإستثمارات، إذ يتوجب على الحكومة، من خلال خطتها الإقتصادية، أن تُحصي المواد المُستوردة الأكثر إستهلاكاً والقيام بعدها بعملية إستثمارية من خلال الشراكة بين القطاعين الخاص والعام، لأجل خلق صناعات تُنتج جزءاً من البضائع المُستوردة التي يستهلكها اللبناني. ويتوجب على الحكومة تحديث قوانيها في اتجاه تحسين مناخ الأعمال لجذب المُستثمرين وللحفاظ على اليد العاملة اللبنانية. لا يُمكن للبنان الإستمرار على هذا النمط من الإستهلاك المُفرط للبضائع المُستوردة. وهنا تكمن مسؤولية الحكومة اللبنانية في التروي بدخول منظمة التجارة العالمية، لأن شعبها يفتقر كل سنة بقيممة 4.22 مليار دولار، أي ما يوازي 1000 دولار لكل مواطن.

رابط المدن  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.