ارتباك الإستيراد والتصدير

0

يبقى العجز في الميزان التجاري اللبناني الدليل الأكبر على تآكل الماكينة الإقتصادية. وتُشير التحاليل إلى أن هيكلية التبادل التجاري بين لبنان والخارج تُعاني من الضعف، إن من ناحية تفوق الإستيراد على التصدير أو من ناحية التركيز في الشركاء التجاريين.الميزان التجاري هو مؤشر إقتصادي عبارة عن الفرق بالعملة بين الصادرات والواردات للبضائع والسلع والخدمات لبلد مُعيّن. وعادة، يتمّ إعطاء قيمة هذا الميزان على فترة سنة تبدأ من أول العام المالي (1 كانون الثاني) إلى نهاية العام (31 كانون الأول). ويتأثر الميزان التجاري بعوامل عدة على رأسها سعر صرف العملة، تنافسية الشركات، إتفاقيات التبادل التجاري الحرّ، الرسوم الجمركية، مواقع إنتاج الشركات الوطنية (خارج البلد أو داخله)… ويُعتبر التبادل التجاري الحرّ إيجابياً للشركاء في هذا التبادل ويقضي بخلق ثروات لهما، إلا أنه يطرح بشدّة مسألة القدرة التنافسية للشركات وإمكانية مواجهة الإنتاج الأجنبي. والتبادل التجاري ينتج عنه فائض أو عجز تبعاً لقيمة الصادرات نسبة إلى الواردات. وفي حال الفائض هناك أموال تدخل البلد، وبالتالي هناك مصدر ثراء للبلد نتيجة ماكينته الإقتصادية. أما العجز فيعني أن هناك أموالاً تخرج من الإقتصاد الوطني وتذهب إلى البلد الشريك في العملية التجارية. وبالتالي، هناك عملية “تفقير” للبلد الذي يُسجّل العجز. ووفق النظرية المركانتيلية (Mercantilism) من الأفضل تصدير البضائع (مقابل نقد) من إستيرادها. وبالحديث عن سعر صرف العملة، يجدر الذكر أن السياسة النقدية لها تأثير على سعر صرف العملية من خلال الميزان التجاري. فاللعب على قيمة العملة يُحفّز الصادرات من خلال تخفيض العملة الوطنية، وبالتالي خلق تضخم في الماكينة الإقتصادية. إن عجز الميزان التجاري بحد ذاته ليس بالخطر، إلا أن إستمراره على فترة طويلة يعني أن هناك مُشكلة في الماكينة الإقتصادية كضعف القطاع الصناعي أو الزراعي أو الخدماتي. كذلك، يُمكن ذكر قيمة العملة التي قد تكون مُرتفعة نسبة إلى الشركاء التجاريين. ما يعني ضعف تنافسية البضائع. وبالتالي، من المحتم أن يخلق هذا العجز البطالة وتراجع الإستهلاك، وبالتالي تراجع النمو الإقتصادي. ويُلاحظ أن البلدان التي تعيش أزمة إقتصادية ترى عجز ميزانها التجاري يقل والعكس بالعكس. وهذا بالتحديد ما نراه في حالة لبنان. فقد بلغت قيمة صادرات لبنان إلى الخارج 2951 مليون دولار في العام 2015، مقابل واردات بقيمة 18068 مليون دولار. وهذا يعني أن العجز في الميزان التجاري يفوق 15 مليار دولار، أي ما يوازي 30% من الناتج المحلّي الإجمالي. ونلاحظ أن العجز في الميزان التجاري إنخفض في الأعوام الماضية مع 17294 مليون دولار في العام 2013، إلى 17182 مليون دولار في العام 2014، ثم إلى 15117 مليون دولار في العام 2015.

وإذا كان من البديهي القول إن ضعف الإستثمارات في الماكينة الاقتصادية هو السبب الأساسي للعجز في الميزان التجاري اللبناني، إلا أن تحليل هيكلية هذا الميزان تُظهر خللاً في إختيار الشركاء التجاريين والتركيز على بعض منهم. فعلى سبيل المثال، البلدان التسعة الأولى التي يُصدّر لها لبنان (السعودية، الإمارات، جنوب أفريقيا، العراق، سوريا، تركيا، الأردن، قطر وسويسرا) تُشكلّ 59% من حجم الصادرات (أرقام العام 2014). مع العلم أن العديد منها تعرض أو عرضة لمشاكل داخلية قد تُطيح بالصادرات اللبنانية إلى هذه البلدان. لكن الأهم في الأمر هو أن بعض هذه البلدان بدأت تُخفف من إستيرادها من البضائع اللبنانية، وعلى رأسها جنوب أفريقيا التي إنخفض إستيرادها من البضائع اللبنانية من 865 مليون دولار في العام 2012 إلى 297 مليون دولار في العام 2014. ويُمكن ذكر حالة سويسرا التي إنخفض إستيرادها للبضائع اللبنانية من 548 مليون دولار في العام 2012 إلى 87 مليون دولار في العام 2014. وبالنظر إلى البضائع التي يُصدّرها لبنان إلى جنوب أفريقيا مثلاً، نرى أن الماس والمعادن الثمينة والقهوة والشاي والبهارات تأتي على رأس هذه البضائع. وبالتحديد نرى أن تصدير الماس والمعادن الثمينة إلى جنوب أفريقيا تعرض لنكسة كبيرة مع إنخفاض من 394 مليون دولار في العام 2013 إلى 294 مليون دولار في العام 2014. فما هو السبب؟ ولماذا لا يجرى أي تحقيق أو بحث من قبل السلطات الرسمية اللبنانية لمعرفة المُشكلة ومعالجتها.

أما على صعيد الإستيراد، فنرى أن تعلق لبنان ببعض الدول كبير ويزداد مع الوقت بشكل ملحوظ. فالإستيراد من الصين إرتفع منذ العام 2010 من 1.6 مليار دولار، إلى أكثر من 2.4 مليار دولار في العام 2014، أي الضعف تقريباً في أقل من 4 أعوام. وبالنظر إلى نوع البضائع التي يستوردها لبنان من الصين، نرى أن الحديد والفولاذ يأتي على رأس الإستيراد مع زيادة من 282 مليون دولار في العام 2013 إلى 519 مليون دولار في العام 2014. وهذه الزيادة لا يُمكن تبريرها بزيادة الطلب وحده، فزيادة السعر تأتي بالدرجة الأولى. ولم يتمّ أخذ أي إجراء على هذا الصعيد من جانب الدولة اللبنانية لإمتصاص قسم من هذا الإرتفاع في الأسعار عبر إيجاد مصادر إخرى من بلدان أفريقية أو جنوب أسيوية أو حتى من روسيا. فمع إنخفاض الروبل الروسي، تُشكّل هذه الأخيرة مصدر جذب للإستيراد . من هنا نستنتج أن ضعف الإستثمارات ليس الوحيد المسؤول عن العجز في الميزان التجاري، بل هناك تقاعس من قبل السلطات في إتخاذ الإجراءات المناسبة في ما يخص ترشيد الإستيراد وتحفيز التصدير وتنويع إتجاهاته.

رابط المدن  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.