كيف تُنفق الدولة اللبنانية أموالها؟

0

مع العجز المزمن الذي يطال الموازنة العامة والزيادة الهائلة بالدين العام، يسأل المواطن اللبناني أين تُصرف أموال الدولة اللبنانية. هذا السؤال يطرح مشكلتين، الأولى ماهية الصرف، والثانية الهدر والفساد اللذين يطالان الإنفاق. بلغ إجمالي إنفاق الدولة اللبنانية (موازنة+ خزينة) ٢٠,٠٣٠ مليار ليرة، في العام ٢٠١٥، أي ما يوازي ١٣.٦ مليار دولار، مقارنة بإيرادات إجمالية (موازنة+ خزينة) قدرها ١٤,٤٣٥ مليار ليرة. وبالتالي، فإن عجز الموازنة في العام ٢٠١٥ بلغ ٣.٩٧ مليار دولار مقارنة بـ ٣.٠٩ مليار دولار في العام ٢٠١٤، و٤.٢٤ في العام ٢٠١٣، و٢.٩٤ في العام ٢٠٠٨. وتُشير البيانات التاريخية إلى أنه منذ العام ٢٠٠٤، تُسجّل الموازنة عجزاً متواصلاً أدى إلى زيادة الدين العام من ٣٨.٥ مليار دولار في العام ٢٠٠٥ إلى ٧١ مليار دولار في العام ٢٠١٥. والجدير ذكره أنه خلال هذه الفترة، لم تنجح الحكومات ولا مجلس النواب بالتصويت على موازنة. وبالتالي، يتمّ الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية، أي أنه يتوجب على الحكومة أخذ موازنة العام ٢٠٠٥ (آخر موازنة تمّ التصويت عليها) وتقسيمها إلى ١٢ شهر والصرف على هذا الأساس. إلا أن النظر إلى أرقام الإنفاق يؤدي إلى الإستنتاج أن حجم الإنفاق الحالي يفوق بكثير حجم الإنفاق في العام ٢٠٠٥. وبالتالي، هناك عدم إحترام لمبدأ الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية. العجز في الموازنة يعني أن الإنفاق يفوق الإيرادات. وهذا الأمر ليس بالسيء بالمطلق، إذا ما كان الإنفاق إستثمارياً يسمح بتحفيز النمو الإقتصادي. إلا أن البيانات التاريخية تُظهر أن الإنفاق في لبنان هو في معظمه إنفاق جارٍ (أكثر من ٩٠% من مجمل الإنفاق). ويأتي بند “الأجور والتعويضات والتقاعد” في المرتبة من ناحية الإنفاق مع ٧,٠٨٠ مليار ليرة مقارنة بـ٣,٩٧٠ مليار ليرة في العام ٢٠٠٧. ونستنتج أن سياسة التوظيف في الدولة اللبنانية هي سياسة غير حكيمة مع توظيف يفوق قدرة الخزينة على التحمّل من ناحية أن على الدولة أن تستدين لدفع الإجور لموظفيها. ويأتي بند “خدمة الدين العام” في المرتبة الثانية مع ٧,٠٥٠ مليار ليرة في العام ٢٠١٥ مقارنة بـ٥,٣٠٤ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨. وهذه الأرقام تُظهر الكمّ الهائل الذي تصرفه الدولة على خدمة دينها العام (٣٤.٦% من مجمل الإنفاق). وتدلّ على بدء فقدان السيطرة على الدين العام الذي ارتفعت خدمته ١.١٦ مليار دولار بظرف ٧ سنوات. المرتبة الثالثة يحتلها بند “دعم مؤسسة كهرباء لبنان” مع ١,٧١١ مليار ليرة في العام ٢٠١٥ مقارنة بـ٣,١٥٧ مليار ليرة في العام ٢٠١٤ و٢,٤٣٠ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨. هذا الإنخفاض في العام ٢٠١٥ أتى نتيجة إنخفاض أسعار النفط العالمية التي سمحت بتوفير ما لا يقلّ عن مليار دولار. أما “النفقات التشغيلية” فقد احتلت المرتبة الثالثة في العام ٢٠١٥ والمرتبة الرابعة في الأعوام السابقة مع ١,٧٦٢ مليار ليرة في العام ٢٠١٥ مقارنة بـ١,٣٦٥ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨. وهذا البند شهد إنخفاضاً في العام ٢٠١٥ نسبة إلى العام ٢٠١٤ بقيمة ٢٧٦ مليار ليرة، نتيجة السياسة التقشفية التي اعتمدها وزير المال في العامين ٢٠١٤ و٢٠١٥. أما المرتبة الخامسة فهي من نصيب بند “نفقات الخزينة والنفقات الأخرى” مع ١,٩٠٢ مليار ليرة في العام ٢٠١٥ مقارنة بـ١,٣٧٤ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨. ويأتي في المرتبة الأخيرة بند “النفقات الإستثمارية” مع ٨٨٨ مليار ليرة مقارنة بـ ٥١٤ مليار ليرة في العام ٢٠٠٨ ليحتل بذلك الإنفاق الجاري أكثر من ٩٥% من مجمل الإنفاق العام. لكن الأصعب في الأمر هو أن إجمالي الإيرادات يكفي لتغطية بندي “خدمة الدين العام” و”الأجور والتعويضات والتقاعد” فقط. والسبب يعود بالدرجة الأولى إلى إزدياد هذين البندين إضافة إلى تراجع إيرادات الدولة نتيجة الوضع الإقتصادي (الضرائب على النشاط الاقتصادي بالدرجة الأولى) ونتيجة دخول إتفاقية التبادل التجاري مع أوروبا حيز التنفيذ في آذار ٢٠١٥ والذي حرم خزينة الدولة من قسم كبير كما نلحظه على الرسم. هذا الواقع كارثي، وإذا كانت الحكومة على لسان بعض الوزراء لم تلحظ هذا الأمر، فالمشكلة أكبر، لأن الإستمرار على هذا النحو يُوصلنا إلى الإفلاس. ومن لا يعلم معنى الإفلاس، يكفي أن يراقب ما يحصل في اليونان أو الأرجنتين ليفهم ما سيُعانيه الشعب اللبناني، إذا ما وصل إلى هذه المرحلة. وبالتالي، يتوجب على الحكومة اللبنانية أن تعمد إلى عدد من الخطوات الأساسية التي من خلالها قد نتمكن من إعادة السيطرة على المالية العامة: أولاً: إقرار مشروع الموازنة على حاله كما تقدم به وزير المال رغم التحفظات التي تطال المشروع. فوجود موازنة أفضل بألف مرّة من عدم وجودها، خصوصاً أن الإنفاق على أساس فتح الإعتمادات كما هو معمول زاد الدين العام إلى الضعف في فترة عشرة أعوام. ثانياً: البدء بإصدار قطع حساب عن كل سنة ماضية في مواعيدها الدستورية لمعرفة مكامن الهدر والفساد. ما يعني أن على ديوان المُحاسبة أن يكون أكثر فعالية ويُظهر الحقائق أمام الرأي العام اللبناني؛ ثالثاً: بدء العمل على خطة تسمح بتحفيز النمو الإقتصادي الذي وحد قادر على إمتصاص العجز. وبغياب هذا النمو ستضل خدمة الدين العام تتزايد إلى مراحل يصعب من بعدها العيش بسلام اجتماعي. ولمن يظن أن الغاز المنوى إستخراجه سيكون الحلّ لمُشكلة المالية العامة نقول أن إطفاء الدين العام بمداخيل النفط يعني بكل بساطة “حرق الغاز مقابل الشواطئ اللبنانية”.

رابط المدن  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.