بريطانيا: حماقة السياسيين

0

القرار البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي قد أُتخذ من قبل الشعب، في إستفتاء هو نتيجة حماقة السياسيين. ما يطرح السؤال: “ماذا بعد خروج بريطانيا؟”. فالغموض الذي يلف مُستقبل بريطانيا الاقتصادي يجعل الصورة قاتمة جداً. خارطة تُظهر تصويت البريطانيين. بالأحمر التصويت لصالح الخروج من بريطانيا التنبؤ بالمستقبل صعب جداً في ظل كثرة العوامل الإقتصادية والسياسية التي تدخل في تحديد منهج تطور الأمر، خصوصاً أن إقتصادات بريطانيا والاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المُتحدة الأميركية تعتمد بشكل رئيسي على الأسواق المالية لتمويل الإقتصاد.  الأمر الأكيد أن الشركات الموجودة في بريطانيا سُتجمّد إستثماراتها في ظل الغموض الذي يلف الإقتصاد البريطاني بعد الخروج. فوفق صندوق النقد الدولي، سيتراجع الناتج المحلّي الإجمالي البريطاني من 1.4% إلى 5.6% بحلول العام 2019 وإلى 8% بحلول العام 2030. بعدما كان الإقتصاد البريطاني قد سجّل نمواً بلغ 2.1% في الفصل الأول من هذا العام.  وسيكون لتراجع الإستثمارات تداعيات على سوق العمل. ما يعني ارتفاع البطالة. هنا، يجدر الذكر أن البطالة في بريطانيا هي في أدنى مستوياتها مع 1.67 مليون عاطل عن العمل. وبالتالي، فإن خروجها من الاتحاد الأوروبي سيكون له تداعيات على صعيد البطالة من ناحية أن الشركات التي كانت تعتمد بريطانيا بوابة للسوق الأوروبية، ستُفضّل الإنتقال إلى الداخل الأوروبي. فالشركات المالية التي كانت تُقدّم خدمات مالية للسوق الأوروبية، ستكون من أكثر المُتضررين.  أضف إلى ذلك، فإن تراجع الجنيه الإسترليني، سيدفع البنك المركزي البريطاني إلى رفع الفوائد على الجنيه تفادياً للتضخم الذي سينتج عن تراجع سعر صرف الجنيه (Toute chose égale par ailleurs). مما يعني أن المركزي سيقضي على النمو بلجم الإستثمارات. هذه الضربة للإستثمارات ستؤدي (مع إحتمال عالٍ جداً) إلى نمو سلبي إبتداءً من الآن حتى نهاية العام 2017. ما يتجانس مع توقعات صندوق النقد الدولي. وبالتالي، نتيجة هذه التوقعات، حذّرت وكالات التصنيف الإئتماني بريطانيا من أنها ستعمد إلى خفض تصنيفها الإئتماني (حالياً AAA)، عبر تغيير النظرة المستقبلية إلى سلبية.  لكن هذا الأمر ليس بالوحيد، فخروج بريطانيا من الاتحاد يعني إعادة فرض رسوم جمركية بحسب قوانين منظمة التجارة العالمية، إلا إذا تم الإتفاق خلال المفاوضات التي ستجري بين الطرفين خلال سنتين، على شروط أخرى. وهذا الأمر مُستبعد نظراً إلى أن هناك سابقة في هذا الأمر وهي النروج. كل هذا يلجم شهية الشركات التي تُصدّر إلى سوق الاتحاد من الإستثمار في بريطانيا.  من جهة أخرى، ومع إنخفاض الجنيه الإسترليني، يقول البعض إن هذا الأمر سُيحسّن من الصادرات البريطانية. لكن السؤال في هذه الحال، عن التضخم الذي سيتغلغل في الإقتصاد البريطاني الذي سيؤدي من دون شكّ إلى فقاعة أخرى في سوق العقارات، قد تكون قاضية بالنسبة إلى الإقتصاد البريطاني.  من ناحية أخرى خسرت أسواق الأسهم في العالم ما يوازي 2000 مليار دولار خلال نهار الجمعة 24 حزيران/ يونيو. هذه الخسارة كبيرة على المصارف البريطانية التي خسرت 20% من قيمتها. ما شمل أيضاً أسواق الأسهم الأخرى، مثل بورصة فرانكفورت التي خسرت 16.16% من قيمتها، وباريس مع خسارة 10.12%، وطوكيو مع خسارة 8%، وهونكونغ 5%. وبالتالي، من المتوقع أن تبقى أسواق الأسهم مُغلقة لأيام في حال إستمر تدهور الأسهم. وتجدر الإشارة إلى أن المُستثمرين عمدوا إلى نقل أموالهم إلى أصول آمنة، مثل الذهب والينّ والفضّة.  ويبقى القول إن بريطانيا التي تشهد نزاعات إنفصالية، ستكون عرضة إلى خفض كبير للناتج المحلّي الإجمالي، في حال انفصلت كل من أسكتلندا وإيرلندا الشمالية عنها. فنتائج الإستفتاء أظهرت أن 62% من سكان أسكتلندا صوتوا لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، مقابل 38% للخروج منه. ما دفع حاكمة أسكتلندا إلى التصريح بأن مسُتقبل بلادها هو داخل الاتحاد الأوروبي. كذلك، صوتت الأغلبية (55.7%) في إيرلندا الشمالية لمصلحة البقاء في الاتحاد، مقابل 44.3% لمصلحة الخروج منه. والأمر نفسه بالنسبة إلى جبرلتار (جبل طارق). ما يعطي دفعاً كبيراً للحركات الإنفصالية لتنظيم إستفتاءات شعبية على البقاء أو الخروج من بريطانيا.  هذا الأمر لم يكن ليحصل لولا الوعود الانتخابية التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون للناخبين البريطانيين في العام 2015، والتي أدّت إلى إعادة انتخابه لمرّة ثانية. كأن كامرون لم يُفكّر للحظة واحدة عند إطلاقه تلك الوعود بأن الأمر سيحصل. وبالتالي، فضّل مصلحته الشخصية على المصلحة العامة. وها هي بريطانيا ستدفع ثمن تلك الحماقة.

رابط المُدن  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.