إحذروا الجنيه الإسترليني

0

مع قرب موعد الإستفتاء الشعبي في بريطانيا على خروجها من الإتحاد الأوروبي ونتائج إستطلاعات الرأي والتي تُرجّح الخروج، بدأت الأسواق المالية بإستيعاب مفاعيل هذا السيناريو مع تراجع الباوند الإسترليني مقابل العملات الرئيسية. ويبقى السؤال عن قدرة بعض المؤسسات المالية والمصارف على تحمّل سيناريو هبوط كبير في الأسواق للباوند الإستيرليني؟  تراجع الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأميركي حيث سجّل 1.4255 في أخر جلسة تداول متراجعاً بذلك بنسبة 1.44% عن سعر إقفاله في الجلسة السابقة. كما سجّل الجنيه تراجعاً مقابل اليورو حيث أقفل في جلسة نهار الجمعة على 1.2673 بتراجع 0.82% عن الجلسة السابقة. وجاء هذا التراجع للعملة البريطانية على خلفية إستطلاع الرأي الذي أجرته إحدى الصحف البريطانية عن توجهات البريطانيين في الإستفتاء الذي سيجري في 23 من هذا الشهر ويهدف إلى تحديد مصير بريطانيا مع الإتحاد الأوروبي. وأظهر إستطلاع الرأي أن 55% من الشعب البريطاني يؤيد خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي مما يعني أن مخاطر إضطرابات في الأسواق المالية أصبحت تلوح في الأفق. ومنذ تشرين الثاني 2015، أخذ سعر صرف الجنيه الإسترليني بالتراجع مقابل العملات الرئيسية مُظهراً بذلك عوارض تعب ناتجة عن توقعات بتراجع الاقتصاد البريطاني في حال خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي. وتزامنت مخاوف إحتمال حصول هذا الأمر مع تراجع أرقام الاقتصاد البريطاني حيث أظهرت أرقام القطاع الصناعي بعض التراجع كما أن إحتمال تراجع الأسعار ألقى بثقله على الجنيه نتيجة تراجع أسعار النفط. وبالتالي أصبحت إحتمالات رفع الفائدة في بريطانيا مُستبعدة هذا العام بسبب تراجع التضخم مما يعني أن تحسّن الجنيه الإسترليني أصبح مُستبعداً في الأشهر المُقبلة. وتُظهر الحسابات الإحصائية التي قمنا بها إلى أن تغييرات الجنيه الإسترليني (Volatility Term Structure) قوية في الأسواق ومن المُتوقع أن تخف مع الوقت مع تخطّي إستحقاق الإستفتاء على مُستقبل بريطانيا في الإتحاد الأوروبي. هذه التغييرات ما هي إلا إنعكاس للتوقعات بإنخفاض الجنيه الإسترليني مقابل العملات الرئيسية والتي تأتي من التوقعات بتراجع الاقتصاد البريطاني نتيجة خروج بريطانيا من الإتحاد. لكن المعروف في الأسواق المالية أن قانون ” الأعداد الكبيرة ” (Large Numbers) ينص على أنه حتى ولو لم تكن هناك من خسائر على الاقتصاد البريطاني نتيجة خروج بريطانيا من الإتحاد، إلا أن إعتقاد عدد كبير من الُمستثمرين في الأسواق المالية أن هذا الأمر صحيح يدفعهم إلى بيع الجنيه الإسترليني وبالتالي يُصبح العرض أكثر من الطلب وكنتيجة ينخفض سعر صرف الجنيه مقابل العملات الرئيسية. هذا الواقع يدفع المُستثمرين إلى التخلص أيضاً من الأصول البريطانية (أي الأصول المُقوّمة بالجنيه الإسترليني) خوفاً من الخسارة التي قد يتكبدها المُستثمر في حال حصل الأمر. ومن المُتوقع أن تستمر التغيرات في سعر صرف الجنيه (Volatility) بالإزدياد بشكل كبير حتى الساعات التي ستلي الإستفتاء في 23 حزيران المُقبل. من هنا ننصح المُستثمرين اللبنانيين بالخروج من كل الوضعيات الإستثمارية على الجنيه الإسترليني كما والأصول المُقومة بالجنيه الإسترليني. ويبقى السؤال عن السيناريوهات السوداء التي قد تحصل نتيجة المضاربة في الأسواق المالية؟ الجواب صعب، لكن التاريخ يُخبرنا أنه في العام 1931 وخلال الأزمة الاقتصادية الكبرى، إندلعت أزمة مالية في بريطانيا أدّت إلى خفض قيمة الجنيه الإسترليني ودفعت بالحكومة إلى الإستقالة مع فوضى كبيرة في الحياة السياسية. وفي العام 1967، إنخفض سعر صرف الجنيه بشكل كبير أدى إلى إستقالة الحكومة البريطانية التي عزت هذا الإنخفاض إلى المضاربة في الأسواق المالية. أيضاً وفي العام 1974، ضربت بريطانيا أزمة مالية كبرى دفعت بصندوق النقد الدولي إلى التدخل لحماية النظام المالي البريطاني. لكن الأزمة الأكبر تبقى الأزمة التي حصلت في الأربعاء الأسود في العام 1992، حيث أضطرّت بريطانيا إلى الخروج من الآلية الأوروبية للفوائد والتي سبقت خلق اليورو وبالتالي فقدت بريطانيا مصداقيتها أمام نظرائها الأوروبيين. المخاطر التي تحفّ بالإقتصاد البريطاني اليوم كبيرة جداً، فالتغيرات في أسعار الفائدة تُشكل عقبة رئيسية أمام أي سياسة نقدية على الآمد القصير وذلك بحكم أن التغيرات في الأسعار قد تؤدي إلى تضخّم كبير. أيضاً يجب القول أنه ومع الفوضى السياسية الناتجة عن الإستفتاء، يحجب المُستثمرون عن شراء الأصول البريطانية ما يعني ضربة كبيرة لميزان الحساب الجاري الذي يعاني أصلاً من عجز كبير. وهذا يعني أن الطلب على الجنيه الإسترليني سيكون أقل ما يعني دخول بريطانيا في حلقة مُفرغة مع فقدان ثقة المُستثمرين بالإقتصاد البريطاني وبالتالي دخول بريطانيا في دوامة إقتصادية قد تؤدي إلى الإنكماش. بالطبع التدعيات السياسية لن تكون أقل في حال تحقق ما ذكرناه أعلاه من ناحية أن السياسيين الذين يؤيدون الـ نعم للخروج من الإتحاد الأوروبي سيفقدون كل مصداقية أمام الشعب البريطاني وسيدفعون الثمن في الانتخابات الآتية. ناهيك عن الإنقسام الذي قد يضرب حزب المحافظين كما حصل في السابق في الأعوام 1931 و1967 و1974 مع حزب العمال البريطاني. وللختام يُمكن القول أن أوروبا التي لن تكون التداعيات عليها بنفس القدر، تعيش حالياً أزمة إنتقاد ذاتي مع تكاثر التساؤلات حول الإصلاحات الواجب القيام بها بغض النظر عن نتيجة الإستفتاء البريطاني. وللمُستثمرين اللبنانيين نقول، إبتعدوا عن الجنيه الإسترليني وعن الأصول البريطانية حتى ما بعد إنقضاء الإستفتاء لأن المخاطر من خسائر كبيرة ليست وهمية وقد تؤدي إلى الإفلاس كما حصل مع مؤسسة Alpari التي أفلست في كانون الثاني الماضي نتيجة قرار المركزي السويسري بإلغاء الإرتباط بين الفرنك السويسري واليورو.

رابط المدن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.