الإرتقاء بالقطاع الصناعي: إرادة سياسية

0

يقول العالم بول-هنري سباك “إن حقيقة الغد مهمة بقدر حقيقة اليوم، والذي لا يحلم لا يستطيع أن يبني شيئاً مهماً”. من هنا نطرح السؤال: هل يُمكن أن نحلم بلبنان فيه صناعات مُتطورة وشركات صناعية على مثال سامسونغ أو مرسيدس أو غيرها من الشركات الراقية التي تلعب دوراً أساسياً في الحياة الاقتصادية؟ وما هو دور الدولة اللبنانية في بناء هذا الحلم؟ ينص مبدأ كوب-دوغلاس على أن النمو الاقتصادي هو نتيجة عاملين أساسيين: رأس المال واليد العاملة. فكلما زاد هذين العاملين زاد النمو الاقتصادي والعكس بالعكس. وإستمر الوضع على هذا النحو قرابة القرن قبل أن تصلّ إقتصادات الدول الصناعية إلى حالة الإشباع (Saturation) حيث لم تعد الزيادة في هاذين العاملين تُترجم بنمو إقتصادي. وهنا دخل عامل ثالث إلى معادلة كوب-دوغلاس، التكنولوجيا. نعم دخلت التكنولوجيا إلى القطاع الصناعي وشهد هذا الأخير نقلة نوعية أصبح معها النمو برقمين. كل هذا ضمن سياسة صناعية حكومية تهدف إلى التخصص على أساس توفر المواد الأولية وضمن نموذج إقتصادي مبني على أن التكنولوجيا تحتاج إلى رأس مال ويد عاملة لترجمتها إلى منتجات تُستهلك يومياً وبالتالي فإن العمالة تسمح بزيادة الإستهلاك وتدرّ أرباحاً على الشركات التي بدورها تقوم بالإستثمارات وتزيد العمالة ومعها الإستهلاك. نعم إنه نموذج إقتصادي سهل ومبني على منطق أن الاقتصاد يعتمد على عامودين أساسيين: الإستثمار والإستهلاك وتأتي التشريعات لتلعب دول الصمغ الذي يُثبتّ هذه الهيكلية الاقتصادية. القوانين هي ترجمة للإرادة السياسية بدعم الاقتصاد وعليه تقوم الحكومة بخيارات إقتصادية-قانونية لتوزيع الموارد على الإختصاصات الصناعية مثل دعم الصناعة الرقمية، أو صناعة السيارات، أو صناعة الطيران… التجربة الكوريةفي كوريا الجنوبية الإرادة السياسية كانت واضحة وتترجمت في دعم الصناعة الإلكترونية حيث أصبحت تُشكّل أكثر من 27% من الصناعة الكورية. وللوصول إلى هذا المُستوى قررت الحكومة الكورية دعم الأبحاث التي أصبحت أولوية وطنية وقامت بدعمها مباشرة وألزمت الشركات تخصيص قسم من مداخيلها للأبحاث (أكثر من 10%!) عبر الترغيب وعبر الترهيب (الأداة الضريبية) . هذا الأمر أعطى نتائج أكثر من مُرضية في الاقتصاد الكوري حيث نرى أن البضائع الكورية تعتمد بشكل أساسي على الإلكترونيك على مثال سامسونغ وكيا وغيرها من الشركات الكورية التي تُعتبر من الشركات الأوائل في العالم. هذا النموذج الذي يهدف إلى التميّز جعل من سامسونغ مثلاً شركة مُتميزة في العالم وتُضاهي أبل الأميركية التي تتمتع بكل الموارد اللازمة مما يعني أن الحلم الكوري أصبح حقيقة كل هذا بفضل الإرادة السياسية والإجراءات التي قامت بها الحكومات الكورية المُتعاقبة. القطاع الصناعي في لبنانالقطاع الصناعي في لبنان هو قطاع قليل التنوع وعلى الرغم من بروز بعض الصناعات التحويلية كصناعة المجوهرات أو الورق، إلا أن حجم هذا القطاع وحجم الإستثمارات فيه لا تسمح له بقيادة النمو الاقتصادي. فبحسب الـ ONUDI، يُساهم القطاع الصناعي بـ 10% من الناتج المحلّي الإجمالي (2013) ويوظف 100 ألف شخص. ويتألف هذا القطاع من عدة قطاعات صغيرة: الصناعة البلاستيكية، صناعة الألبسة، صناعة الأثاث، صناعة الورق، صناعة الرخام، صناعة الأسمنت، صناعة الخشب وصناعة المجوهرات. وتعود مُلكية هذه الصناعات إلى العائلات بالدرجة الأولى  وبالتالي فإن حجم الشركات يقبى محدود والقطاع ككل مُتشرذم حيث أن عدد الشركات التي تُشغّل أكثر من 50 شخص لا يزيد عن 1% من عدد الشركات الإجمالي. وغياب الإستراتيجية للقطاع الصناعي جعل بعض هذه الصناعات تتراجع كصناعة الإسنمت التي كانت الأولى في لبنان بعد نهاية الحرب، لكن ومع تراجع المشاريع البنيوية العامة، أخذ هذا القطاع بالتراجع وذلك على الرغم من ارتفاع عدد الرخص الصناعية. حالياً تواجه هذه الصناعات عدد من التحديات التي ستُحدد مُستقبلها وعلى رأس هذه التحديات تحسين النوعية التي وبسبب المنافسة الشديدة من الخارج وحتى من الداخل مع بدء النازحين السوريين بإنشاء مصانع غير مرخصة ولا تخضع للضرائب (وبالتالي لا يُمكن حسابها ضمن الصناعة اللبنانية)، ستتراجع بشكل كبير إذا لم يتم أخذ الإجراءات المُناسبة وخصوصاً النوعية التي تلعب دوراً رئيسياً بالتميز. على هذا الصعيد وبسبب معاهدة التيسير العربي، تعمد بعض الدول إلى إستخدام دول الخليج لتغيير بلد المنشأ وبالتالي إدخال بضائع إلى لبنان من دون رسوم جمركية. أيضاً من بين التحديات، يُمكن ذكر وضع خطط للتسويق للبضائع اللبنانية التي ترتقي بنوعية بضائعها إلى مستوى عالمي من هنا أهمية العمل على النوعية. ومن التحديات الأخرى التي تواجه القطاع الصناعي، المحافظة على اليد العاملة اللبنانية. فالشركات الصناعية اللبنانية كنظيراتها من القطاعات الأخرى، أخذت بصرف عمال لبنانيين لصالح توظيف سوريين بسبب الكلفة المُتدنية للعامل السوري مما يُقلل الكلفة على هذه الشركات التي تُصارع للإستمرار في ظل الأوضاع السياسية والأمنية الُمتقلبة. طلب داخلي وخارجي ضعيف نسبياًإن الطلب الداخلي على الصناعات اللبنانية يبقى محدوداً ولا يستطيع دعم نمو نوعي للصناعة اللبنانية. من هذا المُنطلق يتوجب على القطاع الصناعي اللبناني البحث عن أسواق خارجية لبضائع تكون على مستوى تطلعات هذه الأسواق من ناحية الجودة، الكلفة والإستخدام. وإذا كانت الديبلوماسية الإقتصادية التي أطلقتها وزارة الاقتصاد والتجارة بالتعاون مع وزارة الخارجية قد نجحت في فتح أسواق عديدة للمنتجوات اللبنانية إلا أن هذه الأخيرة لم تلق حتى الساعة إستحسان هذه الأسواق وبالتالي من المفروض تحسين النوعية مع خطة تسويقية عالية الفعّالية. كيف يُمكن للحكومة الإرتقاء بالقطاع الصناعي؟إن الإستراتيجية الصناعية تحوي على ثلاثة أسس حيوية: شبكة صناعية قوية، مسؤول عام ضليع في الشؤون الصناعية، والدعم المالي اللازم لأنه ومن دون دعم مالي لا يُمكن الحديث عن نهوض بالقطاع الصناعي. إن عماد هذه الإسترايتيجية التي تهدف إلى الإرتقاء بالقطاع الصناعي اللبناني، هو التشريع والإستثمار. من هذا المُنطلق يتوجب على الحكومة أن:أولاً: وضع إستراتيجية محورها دعم قطاع المعرفة والصناعات التحويلية؛ثانياً: وضع التشريعات اللازمة والتي يجب أن تشملّ الشراكة بين القطاع الخاص والعام، المدن الصناعية، السياسية الضريبية، والسياسة الإستثمارية؛ثالثاً: العمل على دمج الشركات الصناعية لتشكيل تكتلات صناعية مهمّة وإدخال الإكتتاب العام في هذه الشركات مع الحفاظ على خصوصية العائلات؛رابعاً: وضع خطة لتحديث البنى التحتية الاقتصادية من طرقات ووسائل نقل وخدمات عامة (إنترنت…) مع التركيز على المدن الصناعية وحاجاتها؛خامساً: وضع قوانين لتفضيل العمالة اللبنانية على العمالة الأجنبية على غرار الدول الأجنبية وحصر العمالة الأجنبية بالحاجة والتخصّص. هذا التفضيل يتمّ بإمتياز عبر الأداة الضريبية؛سادساً: العمل على خلق صناديق إستثمارية في البدء حكومية ومن ثمّ مفتوحة على المستثمرين. هذه الصناديق تهدف قبل كل شيء إلى تحمّل المخاطر (أو قسم منها) على أن تكون لاحقاً من نصيب الشركات عبر النمو الذي ستُحققه؛سابعاً: وضع قانون يفرض على الشركات إستثمار نسبة من أرباحها (ما يوازي 10%) في لبنان؛ثامناً: وضع خطة وطنية للأبحاث التي تُعتبر العامود الفقري للإرتقاء الإقتصادي والصناعي خصوصاً. هذا الأمر يتمّ عبر وضع قوانين لتحسين العلاقة بين القطاع الخاص والجامعات تحت هالة الدولة اللبنانية؛تاسعاً: وضع برامج جودة إلزامية للبضائع اللبنانية على مثال تلك الموجودة في وزارة الإقتصاد التجارة وذلك بشكل دائم. هذه البرامج من شأنها رفع مستوى تنافسية البضائع عبر تحسين نوعيتها وفي نفس الوقت تخفيف الكلفة (مكننة آليات العمل). إن تعدد اللاعبين الإقتصاديين تمنع على القطاع الصناعي التطور من دون تدخل من السلطة السياسية. هذا الأمر يفرض وجود إرادة سياسية للنهوض بالقطاع الصناعي إلى مستويات راقية تسمح للبنان ولقطاعه الصناعي بحجز مكانة له على الخارطة الصناعية العالمية.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.