إنفاق لبنان خلال عشر سنوات… 425 مليار دولار

0

في جلسة مجلس الوزراء التي تمّ فيها تثبيت المُتطوعين في الدفاع المدني، دقّ وزير المال علي حسن خليل ناقوس الخطر في ما يخص المالية العامة. هذا الأمر كان ليمرّ مرور الكرام لو لم يصدر عن وزير مال لكلمته تأثير في ثقة الأسواق في الإقتصاد اللبناني وماليته. فما هي حقيقة المالية العامة؟ وما هي أسباب ما وصلت إليه؟من الواضح أن الوضع الإقتصادي اللبناني يعيش على نغمات التشنجات السياسية والأحداث الأمنية. هذه الحقيقة دكّت هياكل الإقتصاد الذي أصبح يعيش، كما المالية العامة، تحت رحمة المصارف اللبنانية. هذه الأخيرة وجدت نفسها أمام الحقيقة المرّة، رهينة الدولة من ناحية تعرضها لما يوازي الـ 60% من الدين العام اللبناني. المالية العامة تراجعت بشكل كبير منذ العام 2005، عام آخر موازنة تم التصويت عليها من قبل مجلس النواب. ويعود السبب إلى عاملين أساسين: أولاً تراجع الإقتصاد، وثانياً سوء الإدارة والمُتمثّل بظاهرتي الهدر والفساد. لكن العامل الأول أي تراجع الإقتصاد، يبقى مفعوله آنياً، أي يُترجم بتراجع عائدات الخزينة خصوصاً أن الدولة اللبنانية لا تقوم بمشاريع إستثمارية كبيرة ذات منفعة ملحوظة على الإقتصاد، وذلك منذ مدّة طويلة. وما العجز الذي سجّلته الموازنة في الأعوام 2007 إلى 2010 على الرغم من النمو الكبير الذي شهده الإقتصاد اللبناني، إلا خير دليل على أهمية العامل الثاني – أي سوء الإدارة – في تردّي الوضع المالي للدولة اللبنانية. وبنظرة بسيطة إلى البيانات التاريخية نرى أن لبنان حقق ناتجاً محلّياً إجمالياً تراكمياً بقيمة 390 مليار دولار منذ العام 2005 مع معدّل نمو وسطي 4.1% على الفترة نفسها. في المقابل إستطاعت المالية العامة خلق دين عام بقيمة 34.5 مليار دولار، أي أن لبنان، حكومة وشعباً، أنفق 425 مليار دولار خلال عشر سنوات! بالطبع هذا الرقم الخيالي كان ليؤمن إستدامة في النمو لو تمّ إستخدامه بالشكل الصحيح، أي لو تمّ إستثمار قسم منه في الماكينة الإقتصادية، عبر تقوية القطاعات الإنتاجية وخلق قطاعات تستطيع التنافس مع الماكينات الإقتصادية التابعة للدول الأخرى. على أي حال، هذا لم يحصل ويبقى السؤال عن كيفية صرف هذا المبلغ الكبير من قبل 4 ملايين شخص؟ في الواقع لا يُمكن معرفة كيفية صرف الشعب للأموال لأن الحريّة المعطاة للمُستهلك هي مفهوم مُقدّس في الإقتصادات الحرّة. لكن يُمكن النظر إلى الصرف في القطاع العام والذي هو أمانة في يد المسؤولين على مرّ العهود. وفي التفاصيل نرى أن إجمالي النفقات المُحققة (موازنة وخزينة) تزيد مع الوقت بشكل غير متوازي مع إجمالي الإيرادات المُحقّقة. فقد إرتفعت النفقات من 9.97 مليار دولار في العام 2008 إلى 14.02 مليار في العام 2014 قبل أن تنخفض في العام 2015 إلى 13.6 مليار بفعل إنخفاض أسعار النفط، والتي خففت تحاويل الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان بقيمة مليار دولار. وإذا ما نظرنا إلى التفاصيل، نرى أن الأجور والتعويضات إرتفعت من 2.65 مليار في العام 2008 إلى 4.75 مليار في العام 2015. كذلك الأمر بالنسبة إلى خدمة الدين العام التي إرتفعت من 3.54 (2008) إلى 4.7 مليار (2015). أما مؤسسة كهرباء لبنان فقد كانت تستفيد من الخزينة بتحاويل وسطية بقيمة 1.5 مليار قبل أن ترتفع هذه التحاويل إلى ما فوق المليارين منذ العام 2012 كنتيجة للمشاريع التي أُقرّت ولم ترَ النور. وبالتالي يُمكن الإستنتاج أن هيكلية العجز المُزمن سجّلت نقلة نوعية من 2 مليار دولار سنوياً في العام 2008 إلى ما يفوق الـ 3.5 مليار دولار إبتداءً من العام 2012. وبمقارنة بسيطة، نرى أن إيرادات الدولة اللبنانية لا تُغطي إلا الأجور وخدمة الدين العام، أي أن “النفقات الإستثمارية”، “دعم مؤسسة كهرباء لبنان”، “النفقات التشغيلية”، “نفقات الخزينة والنفقات الأخرى”، كلها تتحوّل إلى عجز وبالتالي إلى دين عام. وبطريقة أخرى يُمكن وصف الوضع على الشكل التالي: الإقتصاد لا يعمل، الدولة تُوظف وتدفع أجور وتستدين لدفع هذه الأجور! أما البحث في الإيرادات فيؤدي إلى النتيجة التعيسة أن إرتفاع العائدات من 7.04 مليار دولار في العام 2008 إلى 10.93 مليار دولار في العام 2014، قبل أن تُعاود الإنخفاض إلى 9.62 مليار دولار في العام 2015، لم ينمع الخزينة من تسجيل العجز وذلك بحكم أن مُعظم الإيرادات الأساسية للدولة اللبنانية وصلت إلى حدّها الأقصى وذلك نتيجة تراجع النشاط الإقتصادي وتفشّي الفساد. فعلى سبيل المثال، بلغت ضريبة الدخل على الأرباح 750 مليون دولار في العام 2014 وهو أعلى مُستوى بلغته، بل أبعد من ذلك مع تراجع النشاط الإقتصادي من المُتوقع أن تتراجع في الأعوام المقبلة بشكل ملحوظ. كذلك الحال بالنسبة إلى الضريبة على القيمة المُضافة والرسوم على التجارة الدولية. هذه الأخيرة تلقّت ضربة بدخول إتفاقية التبادل التجاري مع الإتحاد الأوروبي حيز التنفيذ الكلّي في آذار 2015. أما حاصلات الإدارات والمؤسسات العامة وأملاك الدولة فتراجعت بنسبة هائلة في العام 2015 (1.54 مليار ) بعد أن سجّلت أعلى مُستوى لها في العام 2014 (2.33 مليار ). وتتضمن هذه الحاصلات وفر موازنة الإتصالات، كازينو لبنان، المرفأ… كل هذا يقودنا إلى نتيجة واحدة: لوقف النزف في المالية العامة يجب وضع خُطّة إقتصادية تُترجم إلى موازنة عامة مع دعم الإستثمارات في القطاعات الواعدة وتحفيز المُناخ الإستثماري، كما وقف الهدر والفساد اللذين يزيدان من الإنفاق ويُقللان المداخيل. وبغياب هذه الإجراءات ستستمرّ مسيرة الإنحدار نحو المجهول والذي قد يقودنا إلى التجربة اليونانية.

رابط المدن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.