ملفّ النفايات إلى المحكمة الدولية؟

0

من المعروف أنّ الإعلام يهدف إلى توعية الشعب. ويأمل الكاتب في التأثير على الرأي العام الذي يَضغط بدوره على أهل القرار بهدف تصحيح الخَلل. إلّا أنّ ما وصَل إليه ملف النفايات من إهمال من قبَل الشعب، على الرغم من مئات المقالات والبرامج، يَطرح السؤال عن دور المواطن في لبنان، وهل هو فعلاً ضحية؟  إستبشَر اللبنانيون خيراً بالحراك المدني، وذهبَت فيهم الأحلام إلى حد الاعتقاد أنّ الأمور ستستقيم نتيجة هذا الحراك. لكن، وبسبب الأفعال التخريبية التي قام بها بعض المُندسّين، تمّ لجمُ الحراك بواسطة القضاء، حتى إنّنا لم نعُد نسمع إلّا بتحرّكات نادرة من هنا وهناك.
سببُ الحراك في الأساس هو التخاذل في حلّ ملف النفايات الذي يبقى وصمة عارٍ على جبين الشعب اللبناني وعلى الطبقة السياسية. نعم إنه وصمة عار، فيكف يُعقل أنّ اللبناني لا يُحرّك ساكناً وهو المُتضرّر الأول والأخير. نفايات طُرحت في الشوارع وشهدَت صيفاً وشتاءً وستَشهد صيفاً آخر بدون أدنى شكّ. ماذا فعل اللبناني للضغط على أهل السياسة، والأهم ماذا يفعل اليوم؟ الجواب لا شيء!
الأمراض تنتشر وستَظهر المُزمنة منها في وقتٍ قريب، ولا من يُحرّك ساكناً. الوحيد الذي حاولَ تحريكَ الملف في القضاء بعدما عجزَ في السياسة هو النائب سامي الجميّل الذي أطلقَ صرخةً في آخِر تصريح له عن الملف، حين قال إنّ ارتفاع درجات الحرارة سيكون كارثي في حال بقيَت النفايات في الشوارع.
صرخة أستغربُ حتى الساعة غيابَ أيّ صوت لتأييدها، كأنّ الملف يَعني النائب الجميّل وحده! نحن المُتضرّرون الأوائل وليس النائب الجميّل، لماذا لم ترتفع الأصوات لتأييد مطالبِه في ما يخصّ ملف النفايات؟ هل أصبح اللبناني يعيش في «كوما» نتيجة هذا النظام السياسي؟
أين التظاهرات السِلمية للتنديد بالتقاعس في حلّ مُشكلة النفايات؟ إنّه اليأس المُطلق، ويبدو أنّ النفايات ستقضي على العديد من اللبنانيين، وهذا أمرٌ محتوم. فهل أصبحَت صفقات النفايات أهمّ من حياة اللبناني؟
المعروف في الاستراتيجيات الدفاعية الوطنية أنّ حماية المواطن هي ركنٌ أساسي بعد الحفاظ على السيادة. أمّا في لبنان فحياة المواطن لا قيمة لها، وبالتالي أصبح ملفّ النفايات خطراً سيادياً على لبنان، حالُه حالُ داعش مضاعف من ناحية أنّ الفتكَ بالشعب يأتي من داخل المجتمع وليس من خارجه.
هل هناك فرقٌ بين ضرب شعب بالمواد الكيمياوية وبين إغراقه بالنفايات؟ بالنسبة إلى كلّ إنسان عاقل، لا يوجد أيّ فرق، وبالتالي فإنّ ملف النفايات يُعتبَر إبادةً بحقّ الشعب اللبناني ويجب تحويله إلى محكمة دولية. ما يقوله المنطق أنّ هذا الملف يستحقّ محكمة دولية لمعاقبة كلّ من كان شريكاً في وصول الأمور إلى ما هي عليه.
إقتصادياً يبقى السؤال عن فحوى التأثير الذي يقوم به الشعب اللبناني على الطبقة السياسية في ما يخصّ الإنماء والنموّ الاقتصادي. ونرى أنّ الأمر محصور في مطالب تخصّ منطقة معيّنة عادةً ما تقصد فعاليات المنطقة الـ Godfather الموجود فيها الذي يُحوّله إلى ملف سياسي بامتياز، وبالتالي يُصبح الملفّ رهينة التجاذبات السياسية. لماذا الالتزام بالروحية الـ Godfather في الاقتصاد؟ أليس الإنماء حقّاً من أبسط الحقوق للمواطن، والذي على أساسه يتمّ انتخاب النواب؟
وبالنظر إلى المشاريع الإنمائية التي تحصل، نرى أنّها في معظمها لا تَدخل في أيّ استراتيجية، بل تأتي في إطار «الخدمات» التي يُقدّمها النائب وحزبه من خلفِه للمنطقة.
نعم لا يوجد أيّ استراتيجية اقتصادية يقوم على أساسها الإنماء، وبالتالي أصبحَت اللامركزية طلباً مُلحّاً من قبَل كافة الأطراف كنتيجة لتسييس الإنماء الذي خسّرَ لبنان ويُخسّره الكثير من الأموال وحتى الأشخاص. وللتوضيح، يُمكن ذكرُ عدد الشباب اللبناني الذي يُهاجر سنوياً لأنّ اقتصاده لا يستطيع استيعابَه، أو حتى يُمكن ذكر الكوارث في الطبابة والاستشفاء.
وعلى هذا الصعيد، لفتَ نظري حديثاً أنّ مستشفيات منطقة بنت جبيل الحدودية لا تحوي على أجهزة لمعالجة المصابين بأزمة قلب. أي أنّ من يُصاب بذبحة قلبية يُمكن أن يقضيَ في هذه المستشفيات بكلّ بساطة ويُصبح الأمر قضاءً وقدر!
إن عدم اكتراث المواطن اللبناني بحياته الاقتصادية، وهو المُثقّف والمُطّلع على الحضارات الغربية، يعني أنّ معادلة «لا اقتصاد من دون شعب» هي معادلة صحيحة، وبالتالي فإنّ اللبناني لم يعُد ضحية النظام السياسي، بل إنّ النظام السياسي هو نتيجة خيرات المواطن اللبناني. هذا يقودنا إلى القول إنّ غياب الإنماء وكارثتَي ملف النفايات وملف الكهرباء وغيرها، هي إرادة شعبية غير فعّالة بكلّ بساطة. هل فعلاً هذه هي الحقيقة؟
أعتقد أنّ بعض الأرقام قد تُنعش ذاكرةَ المواطن اللبناني:

  • كلفة الفساد على الاقتصاد اللبناني هي 10 مليارات دولار أميركي سنوياً، 5 مليارات خسائر مباشرة و5 مليارات تضييع فرص اقتصادية؛
  • قيمة الدين العام اللبناني تخطّت 70 مليار دولار أميركي، 35 منها تراكمت منذ آخر موازنة صُوِّت عليها في العام 2005؛
  • عدد الشباب اللبناني الذي يُهاجر للبحث عن فرص عمل في الاغتراب هو 13 ألف شخص سنوياً؛
  • عدد المغتربين اللبنانيين والمتحدّرين من أصل لبنان يفوق 18 مليون شخص، أي 5 أضعاف المُقيمين تقريباً، وهذه النسبة لا توجد في أيّ بلد في العالم؛
  • لا يوجد في لبنان خدمات صرف صحّي ولا نظام تقاعدي ولا شبكة نقل عامة…

نعم هذه الأرقام والحقائق قد تُنعش ذاكرة المواطن اللبناني على أمل أن تدفعَه إلى التعبير عن رفضِه هذا الواقع عبر مظاهرات سِلمية أو في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لأنّ البقاء على نفس الخيارات يعني بقاءَ الوضع على ما هو عليه.
يقول إبن خلدون – المُفكّر العربي الكبير – إنّ الشعوب تمتلك عمراً مثل الأشخاص، وبالتالي فهي تمرّ بمرحلة الطفولة، النضوج والشيخوخة. فهل ما زال الشعب اللبناني في عمر الطفولة؟

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.