هشيم الاقتصاد اللبناني وشرارة الاستياء السعودي

0

لا يزال لبنان يدفع فاتورة استياء دول الخليج بشكل عام والمملكة العربية السعودية بشكل خاص من موقف وزير خارجيته جبران باسيل، الذي امتنع فيه عن التصويت على القرار النهائي الصادر عن القمّة العربية في القاهرة، الاستياء الذي وصل الى حدّ اعلان المملكة اعادة النظر بعلاقاتها مع لبنان وسحب الهبة التي كانت قد منحتها شفهياً للجيش اللبناني ولقوى الامن الداخلي منذ ثلاث سنوات… الامر الذي تداركه مجلس الوزراء في جلسة الاول من أمس عبر بيانٍ وزاري حاول جاهدا ازاحة غيمة الاستياء السعودي عن لبنان التي تقدّر كلفتها الظاهرية بـ10 مليارات دولار، بينما تتقلص كلفتها الحقيقية لتصل الى 3 مليارات دولار اميركي سنوياً، و3 مليارات لمرة واحدة (ودائع) وهي الخسارة التقريبية التي قد يتكبّدها الاقتصاد اللبناني بشكل مباشر في حال وصل تشنج علاقاته مع المملكة الى حدّ الانقطاع، اذا ما احتسبنا الهبة السعودية الأخيرة في عداد الهبات التي اكتفت الدول العربية بالتلويح بها من بعيد على مبدأ “شمّ ولا تدوق” من دون ان تُترجم على أرض الواقع.

حتى كتابة هذه السطور لم يعطِ البيان الوزاري أُكله ولا حتى حملات الاستجداء التي بدأت في بيت الوسط، حيث طلبت وزارة الخارجية السعودية من مواطنيها المقيمين أو الزائرين للبنان المغادرة وعدم البقاء فيه إلا للضرورة القصوى. كما وقررت الإمارات خفض أفراد بعثتها الدبلوماسية في بيروت وحذرت مواطنيها من السفر إلى لبنان، ما يعني ان العلاقات السعودية اللبنانية ما زالت على المحك، الذي لا يمكن فصله عن تردّي العلاقات الايرانية السعودية، التي يتبين مع كل توتّر لها ان لبنان هو الحلقة الاضعف في مسلسل الصراعات الاقليمية، التي ما برحت تُرخي بتأثيراتها السلبية عليه. وكان آخرها سحب الهبة السعودية، التي يمكن للهبات العربية السابقة التكهن بمصيرها، إذ تجدر الاشارة الى انه “في مؤتمر الجامعة العربية في القاهرة العام 1985 تم اقرار مساعدة لبنان بمبلغ 5 مليارات دولار لم تصل ابداً، وفي العام 1989 في مؤتمر الجامعة العربية في الدار البيضاء في المغرب اتخذ المجتمعون قراراً بصرف 5 مليارات دولار لاعادة اعمار لبنان بعد الحرب، وأيضاً لم تصل ابدا، اضافة الى انه في مؤتمر الطائف في العام 1990 وبقر ار عربي جامع تم اقرار مساعدة للبنان بمبلغ 5 مليارات دولار، لم تصل أبدا…”؟؟!!!

السيناريو الاسوأ
ما يضع اشارة استفام كبيرة حول مصير الهبة السعودية، ومن هنا ننطلق لنقول بأنه ان كان هناك شيء يجب أن يأخذه لبنان في الاعتبار فهو الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي يمكن ان تحصل. ولتسليط الضوء على السيناريو الاقتصادي الاسوأ الذي قد ينجم من جراء تأرجح العلاقات اللبنانية السعودية، وبما فيها الخليجية كوننا لا نستطيع الفصل بين المملكة ودول الخليج لا من قريب ولا من بعيد على صعيد المواقف، كان لـ”البلد” حديث مع الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، لاستيضاح الكلفة الحقيقية لهذا التوتر الذي قد يصل الى حدّ القطيعة.

خسائر مباشرة
فعلى صعيد التداعيات المالية المباشرة، يؤكد عجاقة بأن القطيعة ستؤثر بشكل مباشر على التبادل التجاري بين لبنان ودول الخليج العربي (المملكة العربية السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان، قطر والبحرين) والذي يبلغ حجمه 2 مليار دولار أميركي، “1,1 مليار دولار استيراد و920 مليون دولار تصدير”. وتحتل المملكة المرتبة الأولى في الشراكة التجارية مع لبنان الذي يستورد من المملكة العربية السعودية 2.03 بالمئة من مجمل إستيراده البالغ 20,49 مليارا، ويصدر اليها 11,39 بالمئة من مجمل تصديره البالغ 3.3 مليارات دولار. لتأتي الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية وقطر في المرتبة الثالثة والكويت في الرابعة، والبحرين في الخامسة، لتأتي سلطنة عمان في المرتبة الأخيرة. كما وتدخل التحاويل المالية في باب الخسائر المالية المباشرة، وتبلغ قيمة تحاويل المغتربين اللبنانيين إلى لبنان 7,5 مليارات دولار أميركي، تشكل الدول العربية مجتمعة 13% من مجمل هذه التحاويل حسب “World Bank, international Organization for Migration” أي ما يبلغ 975 مليون دولار أميركي، أي أن لبنان قد يخسر مليار دولار في حال تمّ صرف كلّ العمال اللبنانيين من الدول العربية أو تم حظر التحاويل إلى لبنان.
ما يعني ان الخسارة المباشرة التي سيتكبدها الاقتصاد اللبناني في أسوأ السيناريوهات قد تبلغ 3 مليارات دولار سنويا، وسيخسر لمرّة واحدة 3 مليارات في حال سحبت المملكة الودائع الخاصة بها (2 مليار) وبدولة الكويت (1 مليار)، التي كانت قد وضعتها في لبنان لدعم الليرة اللبنانية والحفاظ على استقرارها. ما معناه ان الخسارة قد تبلغ 6 مليارات “أي ما يمكن احتسابه بـ11 بالمئة من الناتج المحلي” الخسارة التي يمكن تقييمها اقتصادياً بالموجعة على حدّ تعبير عجاقة.

خسائر غير مباشرة
هذا بغض النظر عن التداعيات الاقتصادية غير المباشرة الناتجة عن خسارة القطاعات المتضررة التي تقوم بالتصدير التجاري الى دول الخليج كـ”قطاع الصناعات التحويلية والقطاع الزراعي، اللذين يشكلان 10 بالمئة من الانتاج المحلي الاجمالي” إذ يصدر لبنان إلى دول الخليج العربي المعدات الكهربائية والإلكترونية، الكتب المطبوعة، الصحف، الصور، الأثاث، المباني الجاهزة، الخضراوات والفواكه والجوز وغيرها من المستحضرات الغذائية، المشروبات الروحية، الأحذية، الكاكاو ومستحضرات الكاكاو، المجوهرات من اللؤلؤ والأحجار الكريمة، المعادن، العملات، الزيوت الأساسية، العطور ومستحضرات التجميل، النحاس ومصنوعاته.

ضربة موجعة
وفي النهاية يمكننا القول بأن الخسارة الاقتصادية التي يمكن أن تترتب على لبنان في حال ترجمت السعوية ودول الخليج استياءها عبر قطع العلاقات مع لبنان بالضربة الموجعة، التي من شأنها أن تكون بمثابة اشعال النار في هشيم الاقتصاد اللبناني الذي يحاكي واقعه المثل الشعبي القائل “ما تهزّو واقف عشوار” أصدق محاكاة. وذلك في بلد لامست معدلات الفقر فيه الـ 35 بالمئة، وهي الخسارة التي يمكن ان يتلافاها لبنان عبر سياسة خارجية سليمة، تأخذ في الاعتبار مصالح لبنان الاقتصادية، التي ما من جدارٍ فاصل ينأى بها عن ارتدادات المواقف غير المدروسة. رابط البلد 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.