الشراكة (PPP) رهن محاربة الفساد

0

عاد إلى الواجهة الحديث عن الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص مع المؤتمر الأخير الذي تمّ تنظيمه برعاية وزير الإقتصاد. ويُظهر التحليل أنّ الشراكة بين القطاع العام والخاص كحلّ لأزمة الركود الإقتصادي، ستبقى حبراً على ورق ما لم يتمّ وضع رقابة نزيهة، قضاء مُستقل، وشفافية في التعاطي.  في ثمانينات القرن الماضي لمع نجم المرأة الحديدية، مارغريت تاتشر، التي اتبعت سياسة إقتصادية ليبيرالية إلى أقصى الحدود مُلامسة بذلك مبادئ أدم سميث. وعمدت ثاتشر إلى خصخصة عامة وشاملة لمعظم الأصول العامة بحجة عدم قدرة الحكومة البريطانية على تمويل الإستثمارات في البنى التحتية والمرافق العامة.

وبذلك أصبحت غالبية الخدمات العامة في بريطانيا تابعة لشركات خاصة. في البدء نجحت خطة تاتشر وأخذت الإستثمارات في مملكة الشمس بالإزدياد إلى حدّ أنّ عدد حُسّادها كان يكبر مع كلّ نجاح كانت تُحققه.

لكنّ مبدأ «الإستفادة القصوى» من الإستثمارات، دفع بالعديد من الشركات إلى التقاعس لاحقاً عن تجديد الإستثمارات وبالتالي أخذت الخدمة في بعض المرافق بالتردّي كما حصل في تسعينات القرن الماضي حين سقط قطار معلّق نتيجة تآكل السكّة الحديدية.

هذا المثال يُعطي فكرة واضحة عن محدودية الخصخصة في حال غياب إطار قانوني يدفع الشركة الخاصة إلى الإستثمار في المرفق العام، كإلزامية إستثمار نسبة مُعيّنة من الأرباح.

تُعرّف النظرية الإقتصادية دور الدولة في الإقتصاد على أنه دور مُشرّع ومنظم للدورة الإقتصادية التي تتألف من عنصرين أساسيين: الشركات والأسر. لكنّ الواقع الإستراتيجي لبعض الخدمات دفع الدول في الإقتصادات الحرّة إلى لعب دور المُنتج على غرار الشركات.

وبما أنّ الهيكيلة الإدارية للدولة تشوبها البيروقراطية والفساد، أخذ الدور الإنتاجي للدولة بالتردّي. لكن طرح القطاع الخاص على أنه الحلّ لمشكلة الركود مغاير للواقع. فالقطاع الخاص من دون رقابة يؤدّي إلى قانون الغابة وبالتالي ضرب السوق الحرّة. ويعمد القطاع الخاص في الكثير من الحالات إلى رشوة المسؤولين للحصول على أفضلية في صفقة مُعيّنة أو تموضع في مناقصة.

الشراكة بين القطاعين العام والخاص تنصّ على إستخدام خبرات القطاع الخاص والتمويل الذي يملكه على المنصّة العامة مع المُحافظة على ملكية الدولة لهذه المنصّة. وبالتالي فإنّ هذه المُعادلة تُشكّل حلّاً موضوعياً ومنطقياً بين الخصخصة مع سيّئاتها والتأميم مع سيّئاته.

نعم إنّ وصف الشراكة بين القطاعين العام والخاص بهذا المنظار، يُظهرها على أنها مثالية. وهذا يعني أنّ هذه الصورة يُمكن تطبيقها على شركة كهرباء لبنان، الطرقات كافة، الإتصالات، المرافئ، المطار… لكنّ الفساد قد يؤدّي إلى تطبيقٍ مُغاير على الأرض وذلك عبر الآلية التالية: لنأخذ حال كهرباء لبنان ولنفترض أنه تمّ توقيع عقد شراكة بين الدولة اللبنانية وبين شركة خاصة لتأهيل هذه المعامل وتشغيلها.

ولنفترض أيضاً أنّ ما حصل مع سوكلين تكرّر مع الشركة التي تُدير شركة كهرباء لبنان – أيْ إنّ الشركة لم تلتزم ببنود العقد من دون أن تقوم الدولة بأيّ ردة فعل. فما هي الوسيلة لمحاسبتها؟ وما حصل مع سوكلين مُمكن أن يتكرّر في قطاع الكهرباء وغيره.

لذا نستنتج أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص ما هي سوى عقد قانوني لتنفيذ عمل إقتصادي مُعيّن، وبالتالي من دون رقابة لا يُمكن التأكد من حسن تطبيق العقد.

وهذا الأمر يصحّ أكثر في حال لم تكن هناك تنافسية أيْ بمعنى أخر تمّ توقيع عقد مع شركة واحدة مع حصرية هذه الشركة على توزيع الخدمة! وكمثال على ذلك، نأخذ أيضاً شركة كهرباء لبنان، فبدل أن تكون شركة واحدة هي المُستفيد الوحيد من الشراكة، يتوجّب على الدولة فصل قطاع الإنتاج (توليد الكهرباء) عن قطاع النقل (الإمدادات والخطوط الكهربائية) وقطاع التوزيع (البيع والعدّادات).

وبدل أن يكون هناك شركة واحدة في كلّ قطاع، يتوجب وضع شركات عدة في كلّ قطاع ما يسمح بتنافسيّة تعفي الدولة من مخاطر إفلاس الشركة وتُقلّل الكلفة على المواطن. كلّ هذا ضمن آلية واضحة للمناقصات العامة تحت إشراف مراقبين دوليين لضمان شفافية العملية.

ويبقى السؤال حول إستعداد القطاع الخاص للإستثمار في ظلّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص وهو صاحب الإستثمار الخجول خلال عقود. وبإستثناء القطاع العقاري وقطاع الخدمات في الفترة ما بين العامين 2005 و2010، لم تشهد القطاعات الخاصّة الأخرى استثمارات.

وبالنظر إلى القطاعات التي قد تستفيد من الشراكة بين القطاعين، يُمكن ذكر البنى التحتيّة اللبنانيّة التي تحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات على مدى العشر سنوات المُقبلة.

وكلمة بنى تحتيّة تعني «الهيكليّة الاقتصاديّة» وتتضمّن الطرقات والمنشآت العامّة والخاصّة والأُسس التي تسمح للاقتصاد بالنهوض:

-الكهرباء والتي تحتاج إلى ما يُقارب الـ 4 مليارات دولار أميركي لتأمين معامل كهربائية بإنتاج يفوق الـ 3500 ميغاواط.

– قطاع الاتصالات الذي يدّر الكثير من المال على الدولة لكنه بدأ يُظهر حاجته إلى الإستثمارات خصوصاً مع تقدم التكنولوجيا والحاجة المُلحّة إلى بنية تحتية كبيرة. وحاجة هذا القطاع تُقارب الثلاثة مليارات دولار أميركي.

– قطاع المياه الكارثي والذي ومع إدارة سيّئة للموارد المائية، كان لبنان سيستورد المياه منذ عامين. وحاجة لبنان الماسة إلى إدارة رشيد للثروة المائية تفرض المعرفة الفعلية مع إستثمارات تفوق الـ 2 مليار دولار أميركي.

– الطرقات والتي تحتاج إلى تطوير بشكل مُلح خصوصاً في المناطق الحدودية كعكار التي يعتمد قطاعها الزراعي والخدماتي على هذه الطرقات.

– المرافئ اللبنانية والتي وفي ظلّ فرضية تحوّل لبنان إلى Hub إقليمي، فإنّ حجم الترانزيت المُرتفع يحتاج إلى مرافئ تستوعب بواخر عملاقة.

– المطارات اللبنانية والتي قد تكون عنصر نهوض أساسي في بعض المناطق.

– القطاع الصناعي الذي يحتاج إلى تغيير بُنيوي جذري يسمح له بالقيام بالصناعة التحويلية.

في الختام لا يسعنا القول إلّا إنه مهما كان شكل النموذج الإقتصادي الذي سيتمّ إعتماده، لن يكون هناك من تأثير إيجابي على الإقتصاد اللبناني، كما ذكّر وزير الإقتصاد، من دون أن تكون هناك: مراقبة نزيهة، شفافية في التعاطي، قضاء مُستقلّ، وقانون يمنع على كلِّ مَن يتعاطى الشأن العام تعاطي الشأن الخاص.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.