تبييض الأموال: مخاطر إقتصادية ومالية

0

مع إقرار لبنان لثلاثة قوانين تتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، نقل الأموال عبر الحدود، والتهرب الضريبي، يُطرح السؤال عن البعد الاقتصادي والمالي لهذه العمليات التي أصبحت الشغل الشاغل للمجتمع الدولي.
أبعد من البعد غير الأخلاقي لتبييض الأموال، يحق للقارئ أن يعرف لماذا هذا الاهتمام الدولي بمكافحة تبييض الأموال الذي يُمثل 1000 إلى 4000 مليار دولار سنوياً (2 إلى 5% من الناتج الإجمالي) بحسب صندوق النقد الدولي. وبحسب التعريف الرسمي، فإن تبييض الأموال هو العملية التي تنص على إدخال أموال وسخة إلى النظام المالي الوطني والعالمي. وهذه الأموال الوسخة تأتي من مصادر عدة: المخدارت والمؤثرات العقلية، جمعیات غیر مشروعة بقصد ارتكاب الجنایات والجنح، الإرهاب، تمویل الإرهاب، الاتجار غیر المشروع بالأسلحة، الخطف بقوة السلاح، استغلال المعلومات الممیزة وٕافشاء الأسرار والمضاربات غیر المشروعة، الحض على الفجور والتعرض للأخلاق والآداب العامة عن طریق عصابات منظمة، الفساد بما في ذلك الرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظیفة وإساءة استعمال السلطة والإثراء غیر المشروع، السرقة وإساءة الائتمان، الاحتیال، تزویر المستندات، تزییف العملة، التهرب الجمركي، تقلید السلع والغش في الاتجار بها، القرصنة، الاتجار بالبشر وتهریب المهاجرین، الاستغلال الجنسي، جرائم البیئة، الابتزاز، القتل، والتهرب الضریبي.
نسبة المُخدرات تبقى النسبة الأعلى من ناحية تبييض الأموال إذ تُمثّل الأموال المُبيّضة والآتية من الإتجار بالمخدرات 34% من مجمل الأموال المُبيّضة في العالم. وينص تقرير برنامج الأمم المُتحدّة للمراقبة الدولية على المخدرات، أن تجارة المفرق من المخدرات تُمثل 450 مليار دولار سنوياً أي ما يُعادل ضعف مداخيل صناعة الأدوية أو عشرة أضعاف المُساعدات إلى دول العالم الثالث. ويأتي التهرب من الجمارك في الدرجة الثانية مع 19%، الإرهاب 1% ومجموع النشاطات الأخرى 46%.
من هنا نرى أن حجم هذه الأموال الوسخة والتي يتمّ تبييضها كل عام تتخطى حجم إقتصاد كالإقتصاد الألماني أو البريطاني أو الفرنسي أو الروسي. فكيف يُمكن للأشخاص إدخال هذه الأموال إلى النظام المالي دون معرفة السلطات الرسمية بذلك؟
عدد من النشاطات الاقتصادية (الشرعية) تتعاطى كثيراً بالأموال النقدية ومنها المطاعم، السوبرماركت، محال الألبسة، محطات الوقود، النقل، الأعمال الفنيّة، وأعمال البناء… وهذه الأموال النقدية يتمّ نقلها إلى المصارف بشكل شرعي كمدخول للنشاط الاقتصادي الشرعي. لكن في بعض الأحيان يعمد بعض أصحاب هذه النشاطات إلى إدخال أموال وسخة في الوقت نفسه الذي يتمّ فيه إدخال الأموال الشرعية، وبالتالي لا يُمكن تبيان ذلك إلا عبر مكننة العمليات ولجم النقد إلى الحدّ الأدنى. أما عبر الحدود، فيتمّ تبييض الأموال بالدرجة الأولى عبر نظام الـ Troc (نظام المقايضة) كما ومن خلال نقل الأموال عبر الحدود. وتمتلك سلطات الرقابة وسائل فعّالة لرصد عمليات تبييض الأموال والتي يُمكن خفضها بشكل كبير إذا ما تمّ التعاون بين الدول. من هنا تأتي أهمية القوانين التي تمّ التصويت عليها في مجلس النواب اللبناني في تشرين الثاني من العام الماضي.

التدعيات الاقتصادية والمالية لتبييض الأموال
إن تبيض الأموال له تداعيات إقتصادية سلبية على الاقتصاد والمجتمع وذلك على صعيدين:
أولاً، تشويه سمعة البلد المعني وانعدام الإستقرار الإقتصادي فيه. فعلى الصعيد الماكرو-إقتصادي يؤدي تبييض الأموال إلى توزيع غير عادل للثروات كما هو منصوص عليه في اللعبة الاقتصادية. كما أن حجم عمليات تبييض الأموال قد يؤدي إلى زعزعة إقتصاد البلد بالكامل، خصوصاً إذا ما تخطى هذا الحجم حجم إقتصاد البلد (حالة بنكوك). ولا يجب نسيان أن تبييض الأموال يجعل الإحصاءات خاطئة بحكم أن هذه العمليات هي سرية وبالتالي كل محاولة لقياسها تبقى ضمن نطاق التخمينات ولا تعتمد على أرقام دقيقة، ما يُضعف السياسة الإقتصادية. أضف إلى ذلك أن بعض العملات الوطنية قد تتعرض لهزات في حال كان أساس عمليات تبديل العملة آتياً من عمليات تبييض أموال، وبالتالي، فإنه من شبه المُستحيل معرفة سبب الأزمة التي تمرّ بها العملة. وأخيراً يجب القول إن الأموال الوسخة تُمثل خطراً على كفاءة الأسواق (Market Efficiency) من ناحية أن نقل رأس المال يتمّ من خلال منطق خارج نطاق المنطق الاقتصادي.
ثانياً، الزيادة في الإنفاق العام والتأثير “التآكلي” على المجتمع. تبقى التداعيات على القطاع الخاص من أهم التداعيات الميكرو-إقتصادية السلبية لتبييض الأموال. فهذا القطاع يلعب واجهة لعمليات المُحترفين مثل محلات البيتزا في الولايات المُتحدة الأميركية حيث يعمد المُبيضون إلى مزج أموال النشاط الاقتصادي الطبيعي مع الأموال الوسخة. ويأتي قانون منع بيع السلع والبضائع بأقل من سعر الكلفة ليمنع مثل هذه الممارسات. أضف إلى ذلك، فإن تبييض الأموال يزيد من الإنفاق العام وذلك عبر زيادة الإنفاق على الصحة نتيجة إستهلاك المُخدرات ما يدفع إلى تآكل المُجتمع عبر هدمه من الداخل.

المصارف والمؤسسات المالية هي الحلقة الأضعف
إن تبييض الأموال يفرض إدخال الأموال إلى النظام المالي وبالتالي إلى المصارف، عبر المصارف مباشرة أو عبر المؤسسات المالية أو عبر شركات الـ Offshore أو الشركات التي تتلقى أموالاً نقدية. وهذا الأمر يفرض بالطبع مراقبة قاسية من قبل المصارف بالدرجة الأولى التي تمتلك أنظمة لمكافحة تبييض الأموال تعتمد بالدرجة الأولى على سلوك العميل (الزبون)، وبالتالي تنعكس في العمليات المُسجّلة في حسابات المصارف. وهنا الصراع الكبير، إذ أن تشدداً كبيراً من قبل المصارف في تطبيق الرقابة، يحرمها من الإستفادة من أموال قد تكون شرعية، والتساهل قد يؤدي إلى دخول أموال غير شرعية (بالطبع هنا لا نتطرق إلى حالة التواطؤ بين المصرف والعميل). وبما أن المصارف هي عصب الاقتصاد، فإن عدم إمتثالها للقوانين الوطنية والدولية يُعرضها إلى عقوبات كارثية، عليها وعلى الاقتصاد الوطني. فكيف الحال إذا كان فارض العقوبات هو إقتصاد كالإقتصاد الأميركي (18 تريليون دولار أميركي).
المصارف اللبنانية التي إلتزمت وتلتزم القوانين الأميركية، يتمّ إقحامها في ملف سياسي بإمتياز، خصوصاً مع قانون “الكونغرس” الأخير في شأن “حزب الله”. وتأتي الزيارة التي يقوم بها وفد جمعية المصارف إلى الولايات المُتحدة الأميركية للتأكيد على إلتزام هذه المصارف بالقوانين الأميركية. لكن التداعيات في الداخل اللبناني على هذه المصارف قد تكون “شرخية”.

رابط المدن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.