السياحة مدخل لعلاقات إستراتيجية بين روسيا والصين

0

يمرّ الإقتصاد الروسي بظروف صعبة وذلك منذ فرض عقوبات غربية على روسيا بعد ضمها لشبه جزيرة القرم. وساء الوضع أكثر مع تراجع أسعار النفط العالمية، لكن ضعف الروبل دفع بالسياح الصينيين إلى التهافت إلى روسيا لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من التعاون الإستراتيجي. 
منذ غزو روسيا لشبه جزيرة القرم في آذار من العام 2014، والإقتصاد الروسي يعيش تحت عبء عقوبات غربية زادت من تداعياته هبوط أسعار النفط. وهذا الأخير يُعتبر الدخل الأساسي لروسيا حيث يُشكل أكثر من 80% من صادرات روسيا و50% من مداخيل الخزينة. وأخذ الروبل الروسي بالتراجع مع هبوط أسعار النفط حيث لم تنفع تدخلات المصرف المركزي الروسي لناحية لجم هذا التدهور وذلك على الرغم من رفع سعر الفائدة على الروبل والشراء المُكثف للروبل مقابل العملات الأجنبية. وكان لهذا الإنخفاض تداعيات إقتصادية من ناحية تراجع الإستثمارات الأجنبية في روسيا حيث سحب المُستثمرون الأجانب الكثير من رؤوس أموالهم تحت تأثير العقوبات من جهة وتهاوي الروبل من جهة أخرى.

خطة لتخطي الأزمة
إزاء هذا الوضع المُتردّي، تبدو السلطات الروسية عاجزة عن إيجاد خطة لتخطّي الأزمة خصوصاً أن الأهداف السياسية لموسكو في الشرق الأوسط تُظهر الحاجة إلى إنفاق عسكري كبير إضافة إلى الإنفاق في الدفاع عن الروبل. وكل هذا تمتّ ترجمته بتآكل الإحتياط الروسي من العملات الأجنبية حيث إنخفض هذا الإحتياط من 500 مليار دولار في أوائل العام 2014 إلى أقل من 340 مليار دولار في أواخر العام 2015. ما يدّل على حجم الإنفاق الروسي على هذين الشقّين.
على صعيد آخر، تضررت العديد من الشركات الروسية جراء العقوبات الغربية على الإقتصاد الروسي وبالتالي تهاوي الروبل. إذ أن رفع الفوائد على الروبل أدّى إلى تضاعف مستحقات الديون بالروبل على هذه الشركات، وإلى خسارة كبيرة للشركات التي لها قروض بالعملة الأجنبية نتيجة ضعف الروبل مقابل الدولار الأميركي والعملات الأجنبية الأخرى.
وكنتيجة لكل هذا، أخذ الإقتصاد الروسي بالإنكماش في ظل عجز السلطات عن إيجاد خطة لدعم الإقتصاد الذي أصبح معروفاً أنه يفتقد لرأس المال.
أمام هذا الواقع التعيس، تبرز أمام روسيا فرص إقتصادية أخرى نتيجة ضعف الروبل والعقوبات الغربية، وعلى رأسها فتح أسواق جديدة أمام البضائع والسلع الروسية كالسوق الصيني الذي أصبح يُحبّذ المنتوجات الروسية نظراً لرخصها مع تراجع الروبل مقابل اليوان. لكن المُستفيد الأكبر من هذا الواقع، هو القطاع السياحي الروسي الذي بدأ يشهد نمواً ملحوظاً مع تراجع الروبل وخصوصاً من قبل السياح الصينيين الذين تهافتوا بأعداد كبيرة في العام 2015 لزيارة روسيا وتمضية عطلة فيها.

التوقعات
والمعروف عن السياح الصينيين أنهم من أكثر السياح إنفاقاً خلال رحلاتهم وبالتالي قاموا بصرف أكثر من مليار دولار من كانون الثاني 2015 إلى أيلول 2015 بحسب المكتب الوطني الروسي للسياحة. وزاد العدد على هذه الفترة 63% نسبة إلى الفترة نفسها من العام 2014، لتذهب بذلك التوقعات إلى حد إحتساب عشرات الملايين من السياح الصينيين سنوياً ما يعني أن روسيا تهدف إلى مضاعفة عدد السياح لديها والبالغ عددهم 32 مليون سائح في العام 2014 مع عائدات تفوق الـ 27.6 مليار دولار، عدد موظفين يُقارب المليون عامل في هذا القطاع، واستثمارات تفوق 10 مليارات دولار أميركي . وهذا الأمر دفع بالسلطات الروسية إلى تأمين بنية تحتية مُخصصة للسياح الصينيين مع مترجمين يفوق عددهم المئات ورحلات مُبرمجة وتأمين حماية أمنية كبيرة لهم.
ويبقى السؤال إذا ما كان القطاع السياحي سيسمح لروسيا بالخروج من أزمتها والجواب بالطبع لا. ويعود السبب إلى حجم الإقتصاد الروسي الذي يبلغ 2090 مليار دولار ولا يُشكل قطاع السياحة إلا 1.5% من الناتج المحلّي الإجمالي. إلا أن المعروف أن القطاع السياحي يؤمّن مدخولا هائلا من السيولة للدول التي يتخطى فيها عدد السياح عشرات الملايين وبالتالي، فإن هذه السيولة تسمح بسد بعض الحاجات في عصر أصبحت فيه الحكومات تقترض من الأسواق لدفع أجور موظفيها وهذا الأمر ينطبق على معظم الدول.

تقارب روسي- صيني يتخطى السياحة
مما لا شك فيه أن العقوبات الغربية على روسيا دفعت بالأمور إلى التعقيد بين روسيا والغرب خصوصاً أن وبعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، أخذت الدول الغربية وعلى رأسها دول الإتحاد الأوروبي بالإستثمار بكثافة في روسيا نظراً للقدرات المُحتملة للإقتصاد الروسي. لكن مطامع قيصر روسيا في أوروبا الشرقية، دفعت بالأمور إلى ما هي عليه اليوم وأخذت الأمور مع الولايات المُتحدة الأميركية منحى حرب باردة جديدة.

تعويض الخسارة
سلكت العلاقات الصينية – الروسية منحىً جديدا مع تشابك مصالح الدولتين السياسية خصوصاً في مواقفهما تجاه الولايات المُتحدة الأميركية في مجلس الأمن الدولي. وحاجة الصين المُفرطة إلى النفط والغاز دفعتها إلى الإنفتاح على روسيا التي إهتمّت كثيراً بما يُمكن أن يُقدّمه السوق الصيني مع عدد سكان هائل يسمح لروسيا بتعويض خسارتها مع الغرب. وشهد التعاون الجديد بين الصين وروسيا عدة مشاريع بحثية في التكنولوجيا (التي تحتاجها روسيا بشدة) كما وفي مجال النانوتكنولوجيا. كما أن الصين تُخطط لبناء 450 معملا نوويا لإنتاج الكهرباء، الأمر الذي قد تُساعدها فيه روسيا بشكل فعّال.
من هنا نرى أن العلاقات بين الصين وروسيا في العقود المُقبلة ستُصبح أكثر من علاقات شراكة تجارية، لتكون علاقات إستراتيجية على الأمد البعيد. ومن المُحتمل أن تطال هذه الشراكة مُعظم دول جنوب شرق آسيا بما فيها الهند وكوريا الجنوبية (بدون اليابان) ودول الإتحاد السوفياتي القديمة، وذلك نظراً للحجم الهائل للسوق الذي قد يتكون نتيجة هذا التعاون.
يبقى القول ان هذا المشروع تواجهه عوائق سياسية ناتجة من الخلاف بين عدة دول على بعض الملفات الإستراتيجية مثل الخلاف بين الصين والهند، لكن البعد الإقتصادي يبقى العامل الأول في حسابات الدول.رابط البلد  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.