المالية تُعاني إفراطاً في الإنفاق

0

بعد التصريح الخطر لوزير المال عن وضع المالية العامة، إتجهت الأنظار نحو زيادة إيرادات الخزينة عبر فرض ضرائب على النشاط الإقتصادي. لكنّ النظر إلى أرقام المالية العامة يدفع إلى القول إنّ على الدولة التفكير في تخفيف الإنفاق بَدل السعي إلى زيادة الضرائب.  

الجمهورية | بروفسور جاسم عجاقة

يشهد لبنان شغوراً رئاسياً قاتلاً للإقتصاد أدّى إلى تزعزع ثقة اللاعبين الإقتصاديين بالإقتصاد اللبناني، ما أدّى بدوره إلى تآكل الماكينة الاقتصادية وتراجع المالية العامة مع تزايد العجز في الموازنة وبالتالي الدين العام. ومن المُتوقع أن يستمر التراجع في المالية العامة خلال الأعوام القادمة، لكنّ الغموض يبقى حول سرعة هذا التراجع وحجمه.

الوضع المالي الحالي

إنّ الوضع المالي في لبنان تعيس جداً، وناتج بالدرجة الأولى عن غياب الموازنات كما وغياب قطع الحساب الذي يسمح للفساد والهدر بالتفشّي في الدولة. هذا الأمر يُمكن إثباته من خلال النظر إلى العجز في الموازنة والذي استمرّ على الرغم من تسجيل لبنان لنسَب نمو إقتصادي عالية إبتداء من العام 2007 إلى العام 2010. وأكثر الأمثلة الصارخة عن الفساد في بعض القطاعات، ملف النفايات وملف مؤسسة كهرباء لبنان.

الجدير بالذكر أنّ آخر موازنة تمّ التصويت عليها في مجلس النواب كانت موازنة العام 2005 حيث كان الدين العام يوازي 38,5 مليار دولار أميركي. ومع بدء الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية، أخذ الدين العام بالإزدياد بشكل كبير حيث بلغ في فترة عشر سنوات 70 مليار دولار أميركي.

وهذا يعني أنّ غياب الموازنة يسمح للحكومة بالصرف على أساس الإعتمادات، وبالتالي تغيب الرقابة (لا يوجد قطع حساب) ما يعني تفشّي الفساد وهدر المال العام.

وزاد الوضع سوءاً مع تزامن عدة عوامل:

1 – الإنقسام السياسي الحاد الذي عطّل كل القرارات الاقتصادية، وخير دليل على ذلك غياب الموازنة.
2 – غياب قطع الحساب الذي يسمح للمواطن اللبناني بمعرفة ما هي الأموال العامة التي تمّ جمعها خلال العام والطريقة التي صُرفت بها.
3 – تردّي الوضع الاقتصادي مع هجرة الإستثمارات الخليجية والسياح الخليجيين.

وكنتيجة لتردّي الوضع الاقتصادي تراجع نمو الدخل الفردي للّبناني وتراجع معه الإستهلاك الذي يُعتبر محرّك النمو الاقتصادي في لبنان. وبلغ التراجع في الإستهلاك ذروته في العام 2015 حيث تُقدّر نسبة التراجع عن العام المُنصرم بـ 20%. هذا التراجع ترك بصماته على الإستيراد (70 إلى 80% من مجمل الإستهلاك).

وقد يظنّ البعض أنّ السبب هو انخفاض اليورو والنفط فقط، إلّا أنّه يجب أن نعرف أنّ الأسعار في لبنان لم تتأثر. كذلك فإنّ احتمال أن يكون التجّار قد زادوا أرباحهم بـ 2,5 مليار دولار أميركي (قيمة تراجع الإستيراد في العام 2015) يبقى ضئيلاً وإلّا لظهرَ ذلك في الحسابات التي من المُفترض أنها صادقة.

وبالتالي، فإنّ غياب النمو الاقتصادي، الفساد والهدر، الإنقسام السياسي، غياب القرارات الاقتصادية، وغيرها، جعلت العجز يتحوّل تلقائياً إلى دين عام وأصبح من شبه المُستحيل السيطرة عليه إلّا في حالتين لا ثالث لهما: الأولى نمو يزيد عن الـ 10% والثانية خفض الإنفاق.

وإذا كانت الحالة الأولى مُستحيلة في ظل كل ما نعيشه من انقسام سياسي، يبقى أن الحلّ المُمكن هو عبر خفض الإنفاق وليس عبر فَرض ضرائب جديدة ستكون تداعياتها سلبية على الاقتصاد.

خفض الإنفاق أساسي للجم الدين العام

إنّ إجمالي النفقات في لبنان والتي تبلغ 13,12 مليار دولار أميركي (2015) هي في معظمها (أكثر من 90%) إنفاق جاري. والملاحظ أيضاً أنّ إيرادات الخزينة لا تكفي إلّا لدفع الأجور واستحقاقات الدين العام.

وهذا يعني أنّ كل قرش إضافي يتمّ صرفه، يتحوّل إلى عجز يمتصّ جزءاً منه النمو (إذا ما وُجد) والباقي يتحوّل إلى دين عام. وللتذكير، فإنّ النفقات تنقسم بحسب التنسيب في الموازنة إلى الأجور والتعويضات والتقاعد، خدمة الدين، دعم مؤسسة كهرباء لبنان، النفقات التشغيلية، ونفقات الخزينة والنفقات الأخرى.

إنّ الملفات الاجتماعية التي تواجهها الحكومة من سلسلة الرتب والرواتب وتثبيت متطوعي الدفاع المدني تبقى مُشكلة للخزينة العامة التي لا يُمكن لها تَحمّل هذه الكلفة. وإنّ تثبيت متطوعي الدفاع المدني، والذي أُقرّ في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، سيزيد من عجز الموازنة والذي ستظهر أرقامه في نهاية العام 2016. لذا وباعتقادنا، فإنّ إقرار هذا التثبيت دوافعه سياسية إنتخابية بامتياز.

من هذا المُنطلق، نرى أنّ على الحكومة اللبنانية ترشيد إنفاقها وذلك عبر القيام بالخطوات التالية:

أولاً: التوقف الفوري عن الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية وإقرار موازنة للَجم الإنفاق وبالتالي لجم الدين العام.

ثانياً: إلزامية القيام بقطع حساب سنوي لتحديد أماكن الصرف ومحاربة الهدر والفساد. فغياب قطع الحساب يُشرّع الفساد والهدر، وهذا ما نراه في العديد من المرافق العامة (يكفي النظر إلى الإيجارات!).

ثالثاً: فرض سلطة الدولة المالية على المرافق العامة من مطار ومرفأ وحدود إذ لا يُعقل أن تخسر الدولة مليارات الدولارات من الرسوم الجمركية. فكيف يُمكن تفسير أنّ استيراد لبنان من الخارج والبالغ 20 مليار دولار أميركي لا يدرّ على الخزينة إلّا 1,2 مليار دولار رسوماً جمركية و2,1 مليار دولار ضريبة على القيمة المُضافة؟ (أرقام 2014)

رابعاً: محاربة الفساد في التخمينات العقارية والتي تحرم خزينة الدولة من الكثير من الأموال.

خامساً: محاربة الهدر في المؤسسات العامة والوزارات واتّباع خطة تقشفية. أيُعقل أنّ دولة على شفير الإفلاس لا تعمد إلى التقشّف في إنفاقها؟ أيجوز أن يستمرّ الصرف كما كان في العام 2007 حين كان النمو 8%؟

سادساً: إعادة النظر في الأملاك البحرية والنهرية والعقارات التي تؤجّرها الدولة لأنّ هذا الأمر غير مقبول. أيُعقل أنّ هناك إيجارات سنوية بـ 1500 ليرة لبنانية لمساحات تفوق مئات آلاف الأمتار؟

سابعاً: وضع خطة إقتصادية لتعزيز المناخ الإستثماري الوحيد الكفيل بتحقيق نمو إقتصادي شبيه بالأعوام 2007 إلى 2010.
في الختام يبقى القول إنّ ضريبة على البنزين ستدرّ 455 مليون دولار أميركي وستضرب الاقتصاد، أمّا محاربة الفساد وإقرار موازنة فهما كفيلان بإعادة السيطرة على المالية العامة وإنعاش الاقتصاد وإعادة نمو مُستدام له.

مصدر الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.