المعادلة الدولية للبنان: توطين النازحين أو الهلاك

0

لم يعد بالجديد القول إن الاقتصاد اللبناني تراجع بشكل كبير في العام 2015 بفعل الأزمة السورية والنزوح الهائل للسوريين. وإذا كان لبنان يُعلّق آمالاً على الوعود الدولية بمساعدته إلا أنها تحمل في طياتها رسالة واضحة مفادها التوطين أو الهلاك الاقتصادي.

ذهب رئيس الحكومة تمّام سلام إلى لندن وفي جعبته مطالب بقيمة 11.26 مليار دولار على فترة أربعة أعوام. هذا المبلغ يشمل تمويل الخطة السنوية للإستجابة، التعليم، البلديات، العمالة المؤقتة، دعم الموازنة، الإستثمار في البنى التحتية، قروض مُيسّرة، إضافة للهبات. لكن اللافت في الأمر هو أن حجم القروض المُيسّرة يبلغ 6.3 مليار دولار ليُشكّل بذلك أكثر من 55% من قيمة الدعم المطلوب.
بالطبع لن يحصل لبنان على هذا الكمّ من الأموال لأن مجموع ما تمّ جمعه للاجئيين والدول المعنية، أي تركيا، الأردن ولبنان هو بحدود عشرة مليارات دولار. لكن وعوداً أخرى تمّ إطلاقها من قبل بعض الدول المانحة وعلى رأسها المانيا وتتمثّل بفتح أسواق هذه البلدان للمنتوجات التي يتمّ تصنيعها أو إنتاجها في الدول المعنية. هذا الأمر يعني الكثير لتركيا والأردن، لكن في حال لبنان هناك معاهدة مُشتركة مع الإتحاد الأوروبي بإلغاء الرسوم الجمركية على التبادل التجاري بين لبنان ودول الإتحاد (نافذة منذ آذار 2015) وبالتالي فإن الإستفادة للبنان محدودة.

التكلفة الحقيقية للاجئين السوريين في لبنان
يعيش في لبنان أكثر من 1,800,000 نازح سوري. وهذا الرقم لا يوازي رقم المفوضية العليا للاجئين، لأن عدد المُسجّلين فيها أقل بكثير من الواقع. وهؤلاء النازحون يُشاركون اللبنانيين البنية التحتية الخدماتية من إستشفاء، تعليم، إحتيجات أساسية، مياه، صرف صحّي، مسكن… أضف إلى ذلك الإستهلاك الكبير من المواد الغذائية (كالخبز) والمحروقات (كالمازوت) ما يُشكّل عبئاً كبيراً على بنية تحتية تنقصها عشرات المليارات من الدولارات للتأهيل. وتبلغ كلفة الإستجابة لمطالب النازحين الحياتية 1,724 مليون دولار سنوياً (أرقام العام 2014) موزعة على الشكل التالي: الصحة (188)، الطعام (550)، التعليم (183)، الإحتياجات الأساسية (149)، المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية (202)، مأوى (168)، ومتطلبات الحكومة (165).
لكن هذه الكلفة ليست بالوحيدة، فهناك تداعيات عدة للنزوح السوري والأزمة السورية وتتمثل بـ :
أولاً: دفع مباشر مرتبط بوجود النازحين على مدى 4 سنوات والذي بلغ حتى نهاية العام الماضي 8,620 مليون دولار.
ثانياً: كلفة التصدير الإضافية عبر البحر للبضائع اللبنانية، وخصوصاً الزراعية منها والناتجة عن إغلاق المعابر البرية بين سوريا والأردن والتي بلغت 150 مليون دولار.
ثالثاً: حركة الترانزيت على 3 سنوات والتي تعطلت بحكم إغلاق النقل البري عبر سوريا إلى دول الخليج، والتي بلغت قيمة الخسارة فيها 1,161 مليون دولار. هذه الخسارة إستفادت منها مصر بالدرجة الأولى وتركيا بالدرجة الثانية.
رابعاً: النفايات التي زادت بنسبة 40% (معدل وسطي عبر الوقت) على فترة وجودهم في لبنان والتي بلغت كلفتها على حساب تسعيرة “سوكلين” 400 مليون دولار .
خامساً: الكهرباء والتي تقلصت فترة التزويد بها بمعدل ساعتين يومياً ما أدّى إلى خسائر بقيمة 750 مليون دولار، والتي كانت لترتفع أكثر مع أسعار نفط عالمية أعلى.
سادساً: تراجع الصادرات اللبنانية بـ 480 مليون دولار، بحكم تراجع الإستثمارت والتي ترتبط بشكل مباشر (100%) بالأزمة السورية. وهذا الأمر يُمكن إستنتاجه من تقرير البنك الدولي (بتاريخ 2015) عن تأثير النزوح السوري على الإستهلاك في لبنان.
ثامناً: السياحة التي تراجعت بشكل كبير (السياح الأجانب وليس اللبنانيين المغتربين). فالتفجيرات والأحداث الأمنية والتي يتحمّل (بعض) النازحين المسؤولية عنها بنسبة 34% بحسب الإحصاءات الرسمية، أدّت إلى زيادة المخاوف وتراجع القطاع إلى حدّ إقفال العديد من المؤسسات وآخرها فندق مونرو. وتبلغ قيمة الخسارة في هذا القطاع 3,440 مليون دولار.
تاسعاً: الخسارة في الفرص الاقتصادية والتي تبلغ، نتيجة حساباتنا، ما يزيد عن 5 مليار دولار. هذه الخسارة تمثلت قبل كل شيء بتراجع حاد في الإستثمارت بلغت ذروتها في العام 2013 و2014.
كل هذا يؤدي إلى الإستنتاج التعيس أن لبنان خسر ما يزيد عن 20 مليار دولار، منذ بدء الأزمة السورية وتوافد النازحين إليه بأعداد هائلة.

كيف يُمكن للمجتمع الدولي إنقاذ لبنان إقتصادياً؟
بحسب المعطيات وخصوصاً من جهة المبلغ الذي تمّ جمعه في مؤتمر لندن، لا يُمكن إنتظار عجائب من المجتمع الدولي خصوصاً أنه إشترط تشريع عمل السوريين في لبنان لمساعدته مالياً. والتصريحات الرسمية تُشير إلى تبنّي المؤتمر خطة “جذرية لتوفير الوظائف والرواتب والتعليم لهؤلاء اللاجئين” وهذا يعني أن عملية التوطين في البلدان المُضيفة بدأت من باب الضغط المالي على هذه البلدان.
في الحقيقة إن ما تخشاه البلدان المانحة هو بكل بساطة، اللجوء السوري إليها خصوصاً الدخول غير الشرعي إلى البلدان الأوروبية. وبالتالي، فإن أفضل طريقة هي عبر خلق وظائف لهم في أماكن وجودهم. وهذا يعني مئات الآلاف من الوظائف للاجئين والتي قد يستفيد منها الاقتصاد الوطني ولكن الثمن يبقى التوطين!
وما يزيد الأمر تعقيداً هو وجود أكثر من نصف مليون إمرأة سورية حامل (من بين النازحين). هذا الرقم الصادر عن الأمم المُتحدة يُنذر بأزمة مُستقبلية – إضافة إلى أزمة العدد – ألا وهي أزمة الأوراق الثبوتية والتي تفرض على الدولة المُضيفة إعطاء شهادات ولادة لهم وبالتالي أول خطوة نحو التوطين.

مطالب الجانب اللبناني غير واقعية
كما ذُكر أعلاه، فإن خطة لبنان تتمحور حول: الخطة السنوية للإستجابة، التعليم، البلديات، العمالة المؤقتة، دعم الموازنة، الإستثمار في البنى التحتية، قروض مُيسّرة، إضافة للهبات. ويبقى السؤال: ما هي النقاط في هذه الخطة التي تدعم الاقتصاد اللبناني؟ الجواب القليل فقط. فمثلاً الإستثمار في البنى التحتية يُشغّل العمال السوريين بالدرجة الأولى وهم المعروفون بعدم صرف أجورهم في الاقتصاد اللبناني. أضف إلى ذلك أن معظم البنود هي بنود إنفاق إستهلاكي محض ولا تحتوي على إستثمارات (بإستثناء البنية التحتية والتي لا نعرف مداها) في قطاعات قد يكون من الممكن خلق وظائف للبنانيين من خلالها. ناهيك عن قروض مُيسّرة بقيمة 6.3 مليار دولار أميركي ستذهب حتماً للجم عجز الموازنة.

قد يظن القارئ أن هذا الخطاب هو خطاب عنصري. لكن إذا ما إستثنينا حالة الأطفال والنساء في هذا الطقس البارد وهذا أمر إنساني محض ولا يُمكن لأي شخص في العالم معارضته، نرى أن النزوح السوري سيطيح بلبنان إذا لم يتمّ إستيعاب الأمور بسرعة كبيرة عبر إعادة توزيع النازحين في مخيمات وإستخدام العمالة السورية حصراً في الزراعة وبعض القطاعات الصناعية.

رابط المدن  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.