خفض الأسعار حتمية إقتصادية

0

مع إنخفاض أسعار النفط العالمية بأكثر من 70% من مستواياتها في العام 2014، ظهر إلى العلن حراك مدني يُطالب بإنخفاض الأسعار  ويطرح السؤال عن سبب عدم إنخفاضها  كما وأسباب حتمية إنخفاضها. نعم إنخفضت أسعار النفط بنسب كبيرة أخذت معها الأسعار العالمية للسلع والخدمات تنخفض. وتبقى الأسعار في لبنان على حالها في ظل نفور شعبي من التجار والسلطات الرسمية. لكن السؤال الأساسي المطروح هو حول حقيقة دور التجار والسلطات في عدم إنخفاض أسعار السلع والخدمات. دور التجار…بحسب الدستور اللبناني، لبنان هو بلد ذو إقتصاد حرّ. وإذا كان النفحة الاجتماعية دفعت إلى خلق ضوابط في ما يخص الأسعار، إلا أن هيكلية الاقتصاد اللبناني خلقت نوع من الإحتكار “الطبيعي”  الذي يتمثل بعدد التجار الضئيل في كل قطاع. فالإحتكار بمفهومه الاقتصادي يتمثل بقدرة تاجر على التأثير  على سعر السوق علماً بأن هذا الأخير يتحدد بحكم قانون العرض والطلب. لكن هذا التفسير يفرض أن يكون عدد اللاعبين الإقتصاديين (أي التجار بحكم سيطرة قطاع الخدمات) كبير وهذا ما لا ينطبق على الاقتصاد اللبناني. فالتجار المُسيطرين في كل قطاع عددهم صغير وحجمهم كبير كما أن ثمن دخول تاجر جديد إلى السوق هو كبير بوجود عقبات مالية وإدارية مع تفشي ظاهرات غير  إقتصادية.وهذا العدد الضئيل من التجار يفرض واقعاً غير سليم يتمثل بما يعرفه الاقتصاد بظاهرة الاتفاق المبطّن (Entente Illicite) والتي تُحاربها القوانين العالمية كالقانون الأميركي (Anti-Trust) والقانون الأوروبي. دور السلطات الرسمية…إن دور السلطات الرسمية هو دور منظم ومُشرع ومراقب للعملية التجارية في الأسواق الحرّة. من هذا المُنطلق، فإن الإحتكار “الطبيعي” الذي يشهده السوق اللبناني يتطلب قوانين تواكبه وتُخفّف من وطأته على الاقتصاد اللبناني. وعلى هذا الصعيد يأتي قانون المُنافسة كضرورة أساسية تسمح بخلق ليونة في ديناميكية الأسعار التي لا تقتصر فوائدها على المُستهلك بل أيضاً على التجار وعلى الاقتصاد اللبناني.ولفهم هذا الواقع، نأخذ مثال المراكز التجارية التي تتواجد في المناطق السكنية. ففي أوروبا، يُحدد القانون شقّين أساسين لتحديد نقاط وجود السوبرماكت في منطقة مُعينة: الأول يتعلق بمنع وجود هذه النقاط في مناطق مُكتظة سكانياً حماية للتجار الصغار، والثاني هو عدد هذه النقاط في الكيلومتر الواحد نسبة لعدد السكان في هذا الكيلومتر. وفي هذا الإطار وعندما قام كارفور (Carrefour) بشراء بروموديس (Promodes)، طلب الإتحاد الأوروبي من كارفور بيع عدد من النقاط التجارية التي يمتلكها لأن في شراء بروموديس مخالفة لقوانين المنافسة. أما في لبنان، فنرى أن المراكز التجارية التابعة لعلامات تجارية معينة، تفتح مراكز بشكل كثيف يهدف بالدرجة الأولى للقضاء على المنافسة خصوصاً الآتية من التجار الصغار وذلك في ظل أي تدخل من قبل السلطات الرسمية. لماذا المنافسة أساسية للنمو الاقتصادي؟إن المنافسة تُشكل حماية للإنتاج الوطني وتُساعد في تحفيز نمو مُستدام وذلك للأسباب التالية: أولاً مواجهة الإستيراد الخارجي: ففي ظل المفاوضات التي يخضوها لبنان للدخول إلى منظمة التجارة الدولية وفي ظل الإتفاقات التجارية المُوقّعة مع الدول الخليجية والإتحاد الأوروبي والتي تحرم خزينة الدولة من الرسوم الجمركية، لا تستطيع المنتوجات اللبنانية منافسة المنتوجات الأجنبية بسبب الأسعار العالية (عناصر الإنتاج) التي يتحملها أصحاب المصانع والتي ما هي إلا سبب أساسي لهيكلية الأسعار المُرتفعة في كل القطاعات (يد عاملة لبنانية، كهرباء، إتصالات، مواد غذائية…). وهذا ما أثبته الباحث ميكايل بورتر الذي قام بدراسة الاقتصاد الياباني على مدى سنوات وخلُص إلى أن الصناعات اليابانية هي الأكثر تنافسية عالمياً وبالتالي فإن فوائدها على التجار وعلى الاقتصاد أكبر بكثير من غياب هذه التنافسية.ثانياً القدرة الشرائية للمواطن: والتي ومع بقاء الأسعار عالية تضمحل وبالتالي تمنعه من الإستهلاك في قطاعات أخرى. وفي هذه الحال، يعمد المواطن إلى شراء الأساسيات على حساب الكماليات ما يُفسّر توسع التجارة الغذائية على حساب التجارات الأخرى. هذا النقص في القدرة الشرائية يؤثر على القطاعات الأخرى وبالتالي وبحسب مبدأ التفاعل الاقتصادي، تضمحل العديد من القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية الأخرى وتضعف الهيكلية الاقتصادية لحساب التجارة الغذائية وتجارة الأساسيات.ثالثاً توزيع الأرباح: بما أن عدد التجار محدود، فإن الأرباح التي يجنيها التجار تبقى محصورة بشق قليل من السكان والتي كانت لتشمل مختلف القطاعات الإنتاجية لو تم تخفيض الأسعار، وبالتالي كان المواطن ليستهلك في هذه القطاعات. هذا التنويع في الإستهلاك يزيد بآلية ميكانيكية الإستهلاك التجاري على المدى البعيد بحكم أن زيادة الإنتاج تزيد العمالة وبالتالي عدد المُستهلكين ما يُفيد التاجر أكثر مع الوقت. هذا الأخير له مصلحة في تخفيض الأسعار أكثر من ناحية إستدامة عمله.رابعاً الأبحاث: بما أن الشركات تُعتبر مستهلك بنفس قدر المُستهلك الفردي من ناحية شرائها للمواد الأولية (طاقة وغيرها)، فإن خفض الأسعار يُشكل زيادة ربحية لها تسمح بدعم الأبحاث التي تعود بفوائد عالية على الاقتصاد المحلي إذ بحسب غوبز-دوغلاس فإن الناتج المحلّي الإجمالي هو نتيجة ثلاثة عوامل: رأس المال، اليد العاملة والتكنولوجيا التي هي نتيجة الأبحاث.خامساً هيكلة القطاعات الإنتاجية: من الصعب على الحكومة تحديد الهيكلية للقطاعات الإنتاجية التي خسرت التنافسية. فالحكومة عرضة في خياراتها الاقتصادية لضغوطات سياسية ومناطقية تدفعها إلى خيارات سيئة. وهنا دور التنافسية في جعل خيار هيكلة القطاعات أسهل بكثير بما يعود بالفائدة الاقتصادية على كافة القطاعات من ناحية كفاءة الدعم المالي والتشريعي لهذه القطاعات. ما يجب عمله فعلياً…مما سبق نرى أن المنافسة هي أساس في الإقتصادات الحرّة  وعليه يتوجب على الحكومة ومن خلفها المجلس النيابي أن تعمد إلى:أولاً: محاربة كارتلات الإحتكار وذلك عبر وضع آليات علمية ودقيقة لتحديد الإحتكار ومكان وجود هذه الكارتيلات. ولمن يتجرأ على القول أن في هذا ضرب للتجار، فليتذكر قضية مايكروسوفت في العام 1999 حينما كانت مُهددة من قبل القضاء الأميركي بتقسيمها إلى أربع شركات لكسر إحتكارها ورضخت في النهاية. فهل يكون لبنان أكثر حرصاً على شركاته من الولايات المُتحدة الأميركية؟ أشك بذلك.ثانياً: حماية المنافسة وليس المتنافسين، فالقوانين يجب أن تكون لحماية المنافسة وليس الحفاظ على شركة أو تاجر لكي يستمرّ. واللعبة الاقتصادية هي لعبة تحوي رابحين وخاسرين وليس كل من يلعب هذه اللعبة يجب أن يربح.ثالثاً: الإعتراف بالدور المحوري للكفاءة في تحليل الإحتكار. هذا الدور نصّت عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وذلك في تقريرها في العام 1994 عبر قولها أن الهدف الأساسي لسياسة المنافسة هو حماية المنافسة وذلك عبر تأمين الكفاءة في توزيع المواد الأولية ورأس المال واليد العاملة ما يعني كفاءة في السوق.رابعاً: وضع  آلية ممنهجة لتقييم الإتفاقات وخاصة من ناحية ضرر هذه الإتفاقات على المنافسة المنوي حماياتها. فالمعروف أن بعض الإتفاقات التي وضعها لبنان مع شركاء دوليين تعود بالضرر على التجار والصناعيين والزراعيين اللبنانيين وبالتالي يتوجب إعادة النظر في هذه الإتفاقات وهذا حق قانوني منصوص عليه في هذه الإتفاقات.خامساً: تحييد المنافسة عن السياسة وذلك من خلال منع الشركات من اللجوء إلى الأحزاب السياسية لحمايتها لأنها تمتلك قانون المنافسة الذي تستطيع من خلاله محاربة منافسيها. في الختام لا يسعنا القول إلا أن غياب المنافسة تُخسّر الاقتصاد الكثير من الفرص الاقتصادية وتعمل على ضرب القطاعات الإنتاجية غير الغذائية أو الأساسية. من هذا المُنطلق، فإن السلطات مدعوة إلى دراسة هذا الملف بضرورة قصوة.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.