50 مليار دولار أميركي فاتورة الكهرباء في لبنان

0

منذ عشرات العقود ولبنان يُعاني من نقص في قطاع الكهرباء وذلك على صعيد توفرها والكلفة الناتجة عن الدعم لهذا القطاع. وعلى مرّ العقود ساهم هذا القطاع بأكثر من نصف الدين العام اللبناني، ناهيك عن فاتورة المولدات التي يتحمّلها اللبناني. فهل هناك فعلاً من عوائق لتخطي هذه المُشكلة؟ وما هي الحلول المُمكنة؟

 

للنفط دور أساسي في الحياة الاجتماعية والإقتصادية وهذا منذ بدء الثورة الصناعية. وسمح التطور التكنولوجي بتوفير الطاقة من خلال الكهرباء التي تُولّد من النفط ما أعطى للكهرباء دوراً أساسياً خصوصاً مع إنتاجها من مصادر أخرى غير النفط (الشمس، المياه…). ودخلّ توفر الكهرباء في مؤشر التطور الاقتصادي والإجتماعي وذلك عبر قياس نسبة سكان البلد الذين يستحصلون على الكهرباء. ففي بلد كالباكستان نرى أن السكان والإقتصاد يُعانيان كثيراً من نقص الكهرباء وبالتالي نرى أن هذا البلد بحجمه الكبير وعدد سكانه والموارد التي يمتلكها، ما زال يُصنّف في خانة الدول في طور النمو. أما في الصين التي يعيش فيها حتى الأن ما يُقارب الـ 10% من السكان بدون كهرباء، فقد عمدت الحكومة الصينية إلى تزويد المناطق الصناعية بكهرباء بشكل مُستمر ووضعت مشروعاً لبناء أكثر من 400 معمل لإنتاج الكهرباء معظمها على الفحم (Pulverized Coal Technique) ما يدّل على أهمية الكهرباء في مجتماعتنا المعاصرة. ويذهب الإقتصاديون إلى تصنيف الكهرباء بالعصب الجديد للإقتصاد الذي سيخلف النفط من ناحية إحتلال الكهرباء مركز مهم بين عوامل الإنتاج وبالتالي لا يُمكن تخيّل إقتصاد مُتطور أو مُجتمع حضاري من دون كهرباء تعمل 2424 على مدار السنة.

الكهرباء في لبنان: تاريخ أسود

قبل الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان (1975-1990)، كانت الكهرباء مُتوفرة في لبنان 2424 ساعة كل أيام السنة. وخلال الحرب بدأت الكهرباء بالإنقطاع نتيجة عدة عوامل منها ما هو تشغيلي (توفر الفيول) ومنها ما هو سياسي (قطع الكهرباء عمداً) ومنها ما هو أمني (تضرر البنية التحتية). وعند خروج لبنان من الأزمة كانت البنية التحتية مُتضررة بشكل كبير أخذت معه الأوضاع شكلاً مأسوياً وفرضت بحكم الواقع وجود مولدات كهربائية بدأت بالإنتشار أولاً في بيروت وبعدها في مختلف المناطق اللبنانية. وأخذت هذه المولدات حيزاً كبيراً في الحياة اللبنانية أصبح من المُستحيل معها التخلّي عن هذه المولدات دون وجود بديل.

والأصعب في الأمر أن النقص في كهرباء الدولة، رافقه ارتفاع في كلفتها حيث وصلت الكلفة إلى معدل مليار ونصف مليار دولار أميركي سنوياً على الرغم من عدم تأمين الكهرباء لأكثر من ثلاث ساعات في المناطق الحدودية. وكانت الحجة دائماً أن الخطوط مقطوعة وأن البنية التحتية يحاجة إلى صيانة … وبالتالي لا نعرف أين تذهب المليار ونصف إذا لم تكن تُستخدم في إصلاح الأعطال والصيانة.

أثبت التاريخ أن معامل إنتاج الكهرباء في لبنان وفي الفترة التي إمتدت من نهاية الحرب الأهلية وحتى اليوم لم تتلقى إستثمارات بأكثر من مليار دولار. وحتى هذا المليار لا يوجد تفاصيل أين تمّ إستثماره بحكم أن عمر المعمل الحراري لإنتاج الكهرباء هو 30 عاماً، واليوم هذه المعامل لا تصلح لإنتاج الكهرباء نظراً للأعطال المتواصلة وللكفاءة الحرارية التي تُكلف أكثر مما تُفيد. نعم هذا الواقع الآليم عبّر عنه العديد من الخبراء بقولهم يجب وقف كهرباء الدولة والتوجه إلى حلّ أخر.

في هذا الوقت، يدفع اللبناني فاتورة الكهرباء وفاتورة المولدات الكهربائية التي تسدّ النقص في كهرباء الدولة. لكن المُلفت في الأمر، أن المولدات الكهربائية والتي أُعتبرت نعمة في البدء (كلفة منخفضة) أصبحت عبئاً على كاهل المواطن مع وجود مافيا تحتكر البيع في المناطق بالتواطئ مع أصحاب نفوذ تدفع لهم خوّة، وتُخسّر خزينة الدولة ما يزيد عن 128 مليون دولار سنوياً (TVA، ضمان، إستخدام للبنية التحتية العامة، ضريبة دخل…). أضف إلى ذلك وجود العديد من البلديات التي لا تحترم تسعيرة وزارة الطاقة والمياه وبالتالي تفرض أسعار مرتفعة على المواطن. لا بل أكثر من ذلك، لم تنخفض فاتورة المولدات الكهربائية بشكل مُقنع مع إنخفاض أسعر النفط بأكثر من 75%!

تُقدّر كلفة ما دفعه المواطن اللبناني إلى أصحاب المولدات 15 مليار دولار منذ بدء موضة المولدات الكهربائية في أوائل تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم، إضافة إلى 30 مليار دولار أميركي دين عام ناتج عن قطاع الكهرباء. وبالتالي، تكون فاتورة الكهرباء في لبنان منذ إنتهاء الحرب الأهلية وحتى اليوم أكثر من 50 مليار دولار أميركي!

كيف يُمكن حلّ هذه المُشكلة؟

إن سبب الوضع الحالي هو قبل كل شيء الفساد وتواطئ بعض أصحاب النفوذ مع مافيات النفط والمولدات، ما دفع إلى بقاء الوضع على ما هو عليه. وحلّ هذه المُشكلة يتمّ بقرار سياسي بإعتماد طريقة من إثنتين: عبر تحرير قطاع الكهرباء أو عبر إعادة بناء معامل جديدة من قبل الدولة.

إن تحرير هذا القطاع يبقى الحل الأنسب في ظل فشل القطاع العام في إدارة هذا المرفق الحيوي. وبالتالي يجب تقسيم هذا القطاع إلى ثلاثة أقسام: قطاع الإنتاج، قطاع التوزيع وقطاع التسويق. وتقوم الشركات عبر آلية الشراكة بين القطاع العام والخاص بإدارة القطاعات مع منع شركة من التواجد في أكثر من قطاع. هذا الحل الذي إعتمدته بريطانيا يبقى الأكثر فعالية لأن أسعار الكهرباء في بريطانيا تبقى عرضة للمنافسة الشرسة وبالتالي تعود بالفائدة على الاقتصاد والمواطن.

أما إذا تمّ  إعتماد خيار إعادة بناء معامل من قبل الدولة اللبنانية، فإن هذا الأمر لا يتطلب الكثير من الإستثمارات (نظراً للتكلفة العالية الحالية). فقيمة الإستثمار لا تزيد عن عشرة ألاف دولار أميركي لكل 1 ميغاواط من الكهرباء مع قدرة 90%. أي أن إنشاء معمل 660 ميغاواط لا يتخطى العشرة ملايين دولار أميركي مع كلفة تشغيلية لا تتخطى 24 ألف دولار أميركي لكل 1 ميغاواط-ساعة بما فيها كلفة الفيول والصيانة وكلفة الإستيدان…

وهنا يتسأل المرء عن الكلفة الباهظة التي ندفعها اليوم (مليار ونصف د.أ) مقارنة بكلفة معمل جديد 660 ميغاواط (10 مليون د.أ إستثمارات + 24 ألف د.أ كلفة تشغيلية لكل 1 ميغاواط-ساعة).

 

في الختام يبقى القول أن قرار وقف نزف الخزينة اللبنانية ونزف جيبة المواطن هو بيد الحكومة اللبنانية التي يتوجب عليها أخذ قرار في أسرع وقت مُمكن.

رابط النشرة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.