الأزمة السعودية–الإيرانية تضغط على أسعار النفط

0

في حدث متوقع، إنخفض سعر برميل خام الشمال إلى 32 دولاراً ، الخميس الماضي، مسجلاً بذلك أدنى مستوى له منذ العام 2004. ومع توتر العلاقات السعودية الإيرانية، من المتوقع أن يزداد الضغط على الأسعار مع زيادة الحرب على الحصص، خصوصاً في ظل عودة إيران إلى سوق النفط.

 

 

إنخفض سعر برميل النفط الخام من بحر الشمال إلى ما دون الـ 33 دولار تحت تأثير تراجع الطلب الصيني، الذي من المتوقع أن يتراجع أكثر هذا العام. أضف إلى ذلك إزدياد المخزون الإستراتيجي من النفط الأميركي الذي تخطى توقعات الأسواق، وبالتالي تراجع الطلب الأميركي على هذا النفط.

ويأتي الصراع السعودي الإيراني على خلفية إعدام الشيخ نمر النمر والإعتداء على السفارة السعودية في إيران، ليزيد من حرب الحصص بين دول الأوبك. والمملكة العربية السعودية رفضت في اجتماع منظمة الأوبك في كانون الأول 2015، خفض إنتاجها من النفط لتعويض عودة إيران إلى سوق النفط، بعد رفع العقوبات التي تدخل حيز التنفيذ في الأيام المقبلة. وبحسب الاتفاق وبُعيد رفع العقوبات عن إيران، تعمد هذه الأخيرة إلى رفع إنتاجها 500 ألف برميل يومياً لتعود بعد ذلك إلى رفعه تدريجياً مليون برميل يومياً. وبذلك تزيد حصة إيران من 8.21% حالياً (31.2% للسعودية) إلى 12.2% من إجمالي حصة دول الأوبك. وتأتي الأزمة الحالية التي تعصف بالعلاقات السعودية الإيرانية لتُعقدّ أكثر التوافق على توزيع الحصص داخل منظمة الأوبك. وهذا الواقع سيُترجم بزيادة في الإنتاج من قبل البلدين ليزيد بذلك العرض وبالتالي تنخفض الأسعار. والجدير بالذكر أنه ومع إزدياد الإنتاج الأميركي من النفط الصخري، إنخفضت حصة الأوبك من 47% إلى أقل من 42% في العام 2014 (الأدنى من 11 عاماً).

أسعار النفط إلى أين؟
لا يمكن لأسعار النفط الإستمرار في الهبوط على المدى الطويل، نظراً للعجز الذي تسجّله الدول المنتجة للنفط (بإستثناء الولايات المتحدة). كما أن كلفة إستخراج برميل النفط تلعب دوراً رئيسياً في تحديد الإنتاج، إذ أن الخسائر التي تعصف حالياً بالبلدان المُنتجة للنفط هي خسائر غياب فرص إقتصادية وليست خسائر بمعنى محاسبي. لذا تستمر بعض الدول كالسعودية التي تبلغ كلفة إستخراج برميل النفط فيها 10 دولارات بالمراهنة على إنزال سعر برميل النفط إلى ما دون كلفة الإستخراج في أميركا (35 دولار) وفي روسيا (18 دولار) لتستفيد بذلك من النقص في الإنتاج وتعوضه بأسعار عالية، وهي التي تتمتع بقدرة إنتاجية كبيرة هي ثمرة إستثمارات هائلة في منصات الإستخراج.

وفي ظل سوق يفوق فيه العرض الطلب، فإن التوقعات بإنخفاض الأسعار إلى حدود الـ 20 دولار للبرميل تبدو صعبة المنال من ناحية أن إستمرار إنخفاض الأسعار ستكون له تداعيات تتمثل بظاهرتين: الأولى توقف منصات الإستخراج في شمال أميركا بحكم أن كلفة إستخراج البرميل تفوق الـ 35 دولار ، والثانية خفض كل الدول المُنتجة للنفط لإنتاجهم من النفط بشكل جماعي وبذلك تكون هناك حركة تصحيحية للأسعار العالمية.
لذا يُمكن القول أن أسعار النفط لن تهبط ميكانيكياً إلى 20 دولار بحكم تأثيرها على العرض.

لعبة نفط مُعقدة
لا يُخفى على أحد أن حرب الحصص التي تخوضها الدول المُنتجة للنفط سواء داخل منظمة الأوبك أو خارجها، هي لعبة خطرة على إقتصادات هذه الدول. وإذا كانت الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يستفيد إقتصادها بتقلبات أسعار النفط (نظراً لتنوع هذا الاقتصاد)، إلا أن هذا الأمر ليس حال الدول الأخرى المُنتجة للنفط. فالسعودية التي إستطاعت فرض إرادتها داخل منظمة الأوبك والمحافظة على حجم إنتاج عالٍ، تسعى قبل كل شيء إلى “تركيع” الصناعة النفطية الأميركية والروسية، مُتحمّلةً بذلك عجز موازنة يفوق المئة مليار دولار سنوياً. وتنص التحليلات على أن السعودية التي تعتمد بشكل أساسي في إستراتيجيتها النفطية على سعر كلفة لا يتجاوز العشرة دولارات لإستخراج برميل نفط، لا يُمكنها الإستمرار على هذا الوضع إلا لمدة أربع سنوات بأحسن الأحوال. كذلك الحال بالنسبة لروسيا التي يتآكل إحتياطها من العملات الأجنبية بشكل سريع، وهي التي تُعول على الحرب في سوريا لرفع صناعتها العسكرية، كما وعلى حليفتها إيران التي من المُتوقع أن تتلقّى أموالاً تفوق الـ 130 مليار دولار من المُستحقات. هذه الأخيرة ستُستخدم بشكل رئيسي في الإستثمارات في قطاع النفط كما في شراء الأسلحة. وبذلك تُعول إيران على إستعادة حصتها من السوق النفطية وعلى الإستثمارات الأجنبية لتخطي واقع أسعار نفط مُنخفضة. لكن كما يقول المثل “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، فإيران بعودتها إلى سوق النفط ستزيد من العرض الذي ترفض المملكة العربية السعودية تقليل حصتها منه، وبعلاقاتها المُتوترة مع السعودية والدول الإقليمية الأخرى – التي تتأثر بالسياسة السعودية – ستخسر الكثير ومعها إعتماد روسيا على هذا الحليف. وبالتالي فإن إيران التي ترى أن أحلامها بإقتصاد مُزدهر تتبددّ مع تصادم سياساتها الإقليمية بسياسات جاراتها الخليجية، تظهر عاجزة اليوم عن تخطي مُشكلة النفط الذي يعتمد عليه إقتصادها.

ويبقى القول أنه وفي ظل إستمرارية ضعف أسعار النفط، فإن الشركات النفطية ستعمد إلى صرف قسم كبير من عمالها بسبب ضيق أفق القطاع حالياً. من هذا المُنطلق، نرى أن الواقع الحالي سيستمر على ما هو عليه إلى حين الوصول الأوضاع إلى نقطة من ثلاثة: (1) وقف إنتاج النفط الصخري في الولايات المُتحدة الأميركية ما يُقلل العرض حكماً ويرفع الأسعار إلى أكثر من 70 دولار أميركي للبرميل الواحد. (2) قرار جماعي لكل الدول المُنتجة للنفط لخفض الإنتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار مع مفاوضات على الحصص. (3) تطور تكنولوجي يُقلل من كلفة إنتاج النفط الصخري ما يعني تغييراً بُنيوياً في هيكلية أسعار النفط العالمية. ويبقى السيناريو الأخير قليل الإحتمال إلا إذا كانت الولايات المُتحدة الأميركية تُعد مفاجأة للسوق النفطي.
وفي كل الحالات ستستمر الخسائر الاقتصادية والمالية على الدول المُنتجة للنفط بحكم إعتماد إقتصاداتها على النفط بشكل أساسي.

  رابط المدن  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.