أسعار السلع في لبنان

0

تريز منصور

…وكأنّ المحرّك يعمل صعودًا فقط أما درب «النزول» فدونه الاحتكار وعقبات أخرى
على الرغم من الانخفاضات الكبيرة التي شهدها سعر برميل النفط في الأشهر الماضية، إلا أنّ أسعار السلع في لبنان باستثناء المشتقات النفطية لم تشعر بهذا الانخفاض لا بل ارتفعت بنسبة 2.04 في المئة، وفق مؤشر أسعار جمعية مستهلك – لبنان. فلماذا تسلك الأسعار اتجاه الارتفاع بسرعة البرق، وتتحوّل إلى سلحفاة حين ينبغي أن تسلك الاتجاه المعاكس.

 

 

عجاقة
مستشار وزير الاقتصاد والتجارة البروفسور جاسم عجاقة (خبير اقتصادي واستراتيجي) يوضح لمجلة «الجيش»: «ثمّة سببان رئيسان يحتّمان انخفاض الأسعار في لبنان، تراجع أسعار النفط وتراجع سعر صرف اليورو. فالسلع المستهلكة في لبنان تنقسم بين ما هو مستورد، وبين ما هو مُنتج محليًّا، وفي الحالتين فإن تراجع أسعار النفط واليورو يَجب أن ينعكس انخفاضًا في أسعار السلع عندنا. فالنفط يدخل بنسب مختلفة في صناعة ما يزيد على 90 في المئة من البضائع والسلع التي نستهلكها، وبالتالي فإن أسعار المنتوجات يجب أن تنخفض بما يوازي نسبة مساهمة المُشتقات النفطية في كلفة السلع. كما أن انخفاض سعر صرف اليورو وبناءً على وزن منطقة اليورو كشريك أساسي للاستيراد اللبناني، فمن المفترض أن ينعكس انخفاضًا في أسعار المواد المستوردة من هذه المنطقة».
وأضاف: «هذان السببان كافيان لخفض الأسعار والذي من المفترض أن يدعم الاستهلاك وبالتالي النمو، بما يزيد عن 0.5 في المئة نظرًا لصغر حجم الاقتصاد اللبناني، ولكن في الواقع أسعار السلع في لبنان لم تنخفض نتيجة الاحتكار».
وأضاف البروفسور عجاقة: «يُعرّف الاحتكار إقتصاديًا بقدرة لاعب اقتصادي أو عدة لاعبين اقتصاديين على التأثير في الأسعار. وفي ظل اقتصاد حرّ، يصعب على الدولة أن تتحكم بالأسعار».
لقد حاربت الدول الغربية المُتطورة الاحتكار عبر مجموعة من القوانين وعلى رأسها تخفيف وزن اللاعبين الاقتصاديين في السوق. وكلّنا يذكر كيف أن العملاق «مايكروسوفت» كان مهددًا بتقسيمه إلى أربع شركات بعد أن اتهمته السلطات الأميركية بالاحتكار. وكذلك في أوروبا حيث تعمد المفوضية الأوروبية إلى منع «السوبرماركات» من امتلاك عدد كبير من المراكز التجارية في بقعة جغرافية معيّنة. ويتمّ تحديد مساحة المركز التجاري نسبة إلى مساحة المنطقة الجغرافية على أن لا تتعدى نسبة تُحددها المفوضية.
في لبنان، لا يوجد فعليًا أي قانون يمنع الاحتكار في ظل اقتصاد حرّ ينهش حيتانه مقوّمات الدولة اللبنانية. وأمثلة الاحتكار كثيرة وعلى رأسها نقابات أصحاب المصالح، التي تحوّلت من مدافع عن حقوق القطاع إلى حيتان تفرض أسعارها على المواطن، بحجّة أن الأسعار لم تنخفض في القطاعات الأخرى كالنقل، أو أن المخزون لم ينتهِ بعد… والأسئلة المطروحة اليوم كثيرة وهي: إذا عاد سعر برميل النفط إلى الارتفاع، ماذا ستكون ردّة فعل هذه النقابات؟ هل يُمكن أن تجد تبريرات لرفع الأسعار أم أنها ستُحافظ على المُستوى نفسه من الأسعار؟ ماذا ستكون ردة فعل وزارة الاقتصاد على زيادة الأسعار في حال ارتفع سعر النفط؟».
وقال: «ثمّة نقابات تبرر عدم خفض الأسعار بعدم خفض كيلواط الكهرباء، هذا الادعاء يمكن اعتباره صحيحًا لو لم يكن ما يستهلكه لبنان مستورد بنسبة 90 في المئة. لذا نقول، كفى استهتارًا بالرأي العام، وعلى وزارة الاقتصاد اليوم أن تتصدى للنقابات التي تؤدي دور المحتكر».
وعن الدور الواجب على وزارة الاقتصاد والتجارة القيام به لمكافحة الاحتكار قال: إسوة بالدول المُتطورة، تأتي الوسيلة القانونية على رأس الوسائل التي يُمكن محاربة الاحتكار بها. من هذا المُنطلق يتوجب على وزارة الاقتصاد والتجارة اتخاذ خطوات أساسية لضرب الاحتكار، أبرزها:
– إقتراح قانون لمحاربة الاحتكار على غرار منطقة اليورو.
– نشر هامش ربح التجار بالجملة والمفرق أمام الرأي العام.
– مراقبة تغيّرات الأسعار (Real Time) التي تسمح بفضح المخالفين ومعاقبتهم.
– توعية المُستهلك الذي يملك فعالية كبرى في معاقبة المحتكر من خلال عدم اختياره المنتج الذي يسوّقه.
كذلك أشار عجاقة إلى أن ثمّة نصوصًا قانونية عديدة سبق تعديلها أو إلغاؤها، مما يضع المزيد من الحدود التي تحول دون اتخاذ إجراءات رادعة في حق المتلاعبين بالأسعار.

جمعية مستهلك – لبنان
رئيس جمعية مستهلك – لبنان الدكتور زهير برّو يلتقي مع عجاقة على اعتبار الاحتكار العقبة التي تحول دون خفض الأسعار. ويقول برّو «إن مؤشر الجمعية الصادر في شهر شباط 2015، أظهر انخفاضًا بالأسعار بنسبة 0.2 في المئة، ولكن إذا استثنينا المشتقات النفطية من المؤشر وأبقينا السلع الأخرى فيه، يتبيّن لنا أن أسعارها قد ارتفعت بنسبة 2.04 في المئة».
ويضيف: «تشكّل الطاقة جزءًا مهمًا من إنتاج السلع وبعض الخدمات، ومع انخفاض سعر النفط عالميًا، يمكننا التحدّث عن فضيحة في ما يتعلق بـ 145 سلعة وخدمة في الاستهلاك اليومي، وهي تشكّل أساس استهلاك 93 في المئة من العائلات في لبنان».  ويعتبر برّو أن السبب في ارتفاع المعدل العام للأسعار بأكثر من 2 في المئة على الرغم من التراجع الهائل لأسعار النفط العالمية، ناتج عن الشعار الذي ترفعه الهيئات الاقتصادية «الاقتصاد الحر»، بينما يعيش اللبنانيون فعلًا «نظام الاحتكارات»، وبالتالي، من المستحيل أن تنخفض الأسعار في لبنان، نتيجة الاحتكارات التي تتحكّم بالسوق وتكبّل الاقتصاد، وتمنع المنافسة التي من شأنها تخفيض الأسعار بما بين 5 و6 في المئة.
وأضاف برّو: «الجهاز المعني أساسًا بالأسعار هو المجلس الوطني لحماية المستهلك (يتألف من ممثلين عن 9 وزارات، وممثلين عن الصناعيين والتجار وجمعية المستهلك، ويرأسه وزير الاقتصاد) الذي لم يجتمع لاتخاذ قرارات حاسمة، ولم يُعلن أي اجراءات عملية محدّدة لضبط حركة الأسعار». وطالب باتخاذ إجراءات فعّالة، في طليعتها إصدار قانون المنافسة المجمّد منذ 12 سنة، ومهمته الأولى إلغاء الوكالات الحصرية وجميع أشكال الاحتكارات المعلنة وغير المعلنة التي تكبّل الاقتصاد، إضافة إلى بدء العمل بمحكمة المستهلك التي لم تصدر أي حكم بحق المخالفين منذ إقرارها في العام 2005».

وزني
من جهته يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني أن انخفاض أسعار النفط عالميًا كان له أثر إيجابي على الاقتصاد اللبناني، أما المواطن فلم يستفد فعليًا من هذا الانخفاض ولم يلمس أي انخفاض في أسعار معظم السلع التي يستهلك إنتاجها مشتقات نفطية، كالخبز مثلاً والمنتجات الصناعية على أنواعها. وبالتالي، يدفع المواطن فاتورة ارتفاع أسعار النفط، ولا يستفيد من الانخفاض، والسبب الرئيس في ذلك، تتحمّل مسؤليته الدولة بالدرجة الأولى نظرًا إلى غياب دورها الرقابي المتشدّد، ولضعف فعالية مديرية حماية المستهلك، إضافة الى أن المواطن اللبناني ساكن من دون حراك».
بالنسبة إلى أسعار المواد الغذائية والسلع الأخرى المستوردة، قال وزني «إنها مرتبطة بتطور سعر صرف العملات الأجنبية وخصوصًا اليورو، بحيث أن لبنان يستورد نحو 30 في المئة من احتياجاته من أوروبا. أما العوامل الداخلية المؤثرة على الأسعار في لبنان فهي مرتبطة بعملية الاحتكار، بحيث نجد أن 35 شركة تتحكم باستيراد 75 في المئة من المواد الغذائية، ما يجعل من معدلات أرباحها الأعلى في المنطقة. يضاف إلى ذلك ضعف رقابة الوزارات المعنية، وضعف دور مديرية حماية المستهلك، وعدم فعالية المرسوم 277 الذي يحددّ هامش الأرباح، وجشع التجار اللبنانيين. ولقد ظهر ذلك بوضوح في شباط 2012 عندما قررت الحكومة تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام، فارتفعت أسعار المواد الغذائية أكثر من 15 في المئة، قبل أن يتحقق هذا التصحيح. وهذه الظاهرة تبرز في كل مناسبة، إن كان لمناسبة تصحيح الأجور أو لمناسبة الأعياد والصوم، بحيــث أن الأسعــار ترتفــع من دون أي مبرر أو مستند داخلـي أو خارجي».

ماهية الاحتكار
تنص المادة 14 من المرسوم الاشتراعي 73/83 تاريخ 9 أيلول 1983 على أنّه يعتبر احتكارًا:
– كل اتفاق أو تكتل يرمي للحد من المنافسة في انتاج السلع والمواد والحاصلات أو مشتراها أو استيرادها أو تصريفها، ويكون من شأنه تسهيل ارتفاع أسعارها ارتفاعًا مصطنعًا أو الحيلولة دون تخفيض هذه الاسعار.
– كل اتفاق أو تكتل يتناول الخدمات بغية الحد من المنافسة في تأديتها ويكون من شأنه تسهيل ارتفاع بدلاتها بصورة مصطنعة أو الحيلولة دون تخفيض هذه البدلات.
– كل عمل يرمي إلى تجميع المواد أو السلع أو الحاصلات أو إخفائها بقصد رفع قيمتها أو بإغلاق مكاتب أو مستودعات لأسباب غير مشروعة بغية اجتناء ربح، لا يكون نتيجة طبيعية لقاعدة العرض والطلب.

  رابط مجلة الجيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.