نظرة اقتصادية وفلسفية للدين العام الأميركي؟

0

ما لا شك فيه أن الدين العام للولايات المُتحدة الأميركية سفك الكثير من الحبر واستحوذ على الأنظار من ناحية ضخامته. ففي الوقت الذي يُكتب فيه هذا المقال، يبلغ الدين العام الأميركي 16.9 تريليون دولار أميركي.  فهل يُمكن للولايات المتحدة الأميركية الاستمرار على هذه الوتيرة خصىوصاً مع دين عام يزداد 61,500 د.أ مع كل ثانية تمرّ؟ 
مع ناتج قومي يُقارب ثلث الناتج المحلي الاجمالي للعالم (15.86 تريليون دولار في العام 2012)، تملك الولايات المتحدة أضخم اقتصاد في العالم. ويدعم هذا الاقتصاد احتياطٌ هائل من الذهب 8,133.5 طن (نحو70% من الاحتياط بالعملات الأجنبية)، بورصة نيويورك التي تستقطب 60% من الاستثمارات العالمية في سوق الأسهم، انتاج صناعي هائل وشامل، قدرة تنافسية عالية، وانتاج النفط الذي يدفعه الى المراتب الأولى… كما أن أهم الشركات في العالم هي أميركية وتُهيمن على قطاعات عدة: البرمجيات (أبل)، الطيران(بوينغ)، المشروبات (كوكا كولا)… ويتمتع الاقتصاد الأميركي بهيكلية شبه كاملة حيث تحتل أميركا المراتب الأولى في الزراعة، المناجم، الطاقة، صيد السمك، الصناعات الثقيلة، الطيران، السيارات، الالكترونيات، برامج الكمبيوتر، الكهربائيات، السلع الاستهلاكية والغذائية الزراعية والتكنولوجيا العالية. أما قطاع الخدمات فهو من أكثر القطاعات المتطورة في العالم ويوظّف أكثر من 70% من القوة العاملة.
لكن هذه الصورة الجميلة تشوبها عيوب ناتجة عن عجز مزدوج : عجز في ميزان الحساب الجاري وعجز في الموازنة العامة، ويُمثل هذا العجز المزدوج نقطة ضعف الاقتصاد. أما العجز التجاري الأميركي فناتج بنسبة 40% من التجارة مع الصين. وتستهلك الولايات المتحدة ما يقارب الـ 80% من الصادرات المكسيكية، فيما يعتمد الاقتصاد الكندي على نحو كلي تقريباً على الاقتصاد الأميركي.فلسفة الدين العام الأميركي…منذ بدء القرن الماضي والسياسة الاقتصادية للولايات المُتحدة الأميركية مرتكزة على عمودين أساسيين: النفط والاستدان. والاستدان يتمتع بخصائص أهمها قوة الرفع (Leverage) التي تزيد نسبة الربح للمُقترض. وبذلك لا يُشكل الاستدان بحد ذاته مشكلة لا بل على العكس يُمكن رؤيته كعلامة ثقة في المستقبل. ويُمكن التأكد من ذلك عبر النظر الى نسبة الديون التي تُقرضها المصارف الى الاقتصادات الحديثة.الدين العام الأميركي: الأزمة المُزدوجة…ان الدين العام لدولة مُعينة يُصبح مشكلة عندما تبدأ الشكوك بقدرة المُقترض على سد ديونه. وفي حال الولايات المُتحدة الأميركية، بدأت هذه الشكوك بالظهور مع نسبة دين عام على الناتج المحلي تتجاوز الـ 103%. ولكن هذه النسبة ليست العامل الوحيد المخيف، بل إن حجم الدين العام هو الرقم المخيف الذي يدفع المُستثمر الى السؤال عن مدى قدرة الولايات المُتحدة الأميركية على سد استحقاقاتها مع دين عام يزيد 62 ألف دولار في كل ثانية. وهذا ما دفع وكالة ستندارد أند بورز للتصنيف الائتماني بتخفيض تصنيف الولايات المتحدة الأميركية من AAA الى AA+ وبهذا أرسلت الوكالة رسالة الى الأسواق تقول فيها إنه من الممكن أن تواجه الولايات المُتحدة الأميركية مشاكل في سد استحقاقاتها المالية. وسبب هذا المشاكل ناتج عن التقدم في العمر للشعب الأميركي وعن النظام الصحي ما يعني أن الحكومة الأميركية ستواجه مشاكل في موازنتها العامة. وقد بررت وكالة ستندارد أند بورز للتصنيف الائتماني تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المُتحدة الأميركية برداءة نوعية الحكم الذي يتأرجح بين رئيس لين ومعارضة مدعومة بحركات وأفكار أيدولوجية.الأخطار المُحدقة بالدين العام الأميركي…اذا لم يتم التوافق بين الجمهوريين والديمقراطيين قبل 17 تشرين الأول على رفع سقف الدين العام القانوني، فان الولايات المُتحدة الأميركية ستصبح في حالة افلاس رسمية. والسبب كما هو ظاهر، ناتج عن خلاف سياسي في وجهة النظر الاقتصادية التي يحملها الأميركيون لاقتصادهم.ولكن اذا ما اعتبرنا أن المُشكلة حُلت على الصعيد السياسي، يبقى هناك خطران اقتصاديان محدقان بالدين العام الأميركي:–    قروض الطلاب: التي بدأت تُشكل خطراً على الدين العام والسبب يكمن في أنه بين خمس أُسر أميركية، هناك أسرة استقرضت مالاً لتمويل تعليم أولادها.وعدد هذه القروض في ازدياد مستمر بمعدل 25 ألف دولار للطالب وارتفاع بكلفة التسجيل تضاعفت في عشرة أعوام.  وقد تخطى حجم هذه القروض حجم الديون بواسطة الـ Credit Cards مع نسبة نمو تفوق نمو الديون في كثير من القطاعات الأخرى. ومع صعوبة ايجاد عمل، ارتفعت البطالة بين الطلاب المتخرجين حديثاً ما يعني عدم قدرتهم على سد الديون.–    ديون البلديات (MuniBonds): فديون البلديات هي قنبلة موقوتة وكلنا نتذكر ولاية كالفيورنيا في الـ 2010 حين واجهت الافلاس وحديثاً بلدية ديترويت. وقد عمدت البلديات الأميركية الى الاستدان دون الأخذ في الاعتبار ملاءتها المالية. اذ أن الوضع الاقتصاد خفّض من المداخيل الضريبية وبالتالي بدأت الديون السيئة تتراكم على هذه البلديات.ما هي الحلول الموجودة أمام الادارة الأميركية؟أولاً تحفيز سريع للنمو:  أول الحلول لتخفيض الدين العام الأميركي يكمن بنمو سريع للاقتصاد الأميركي يسمح بتغليب نسبة النمو على نسبة الفائدة ما يعني تخفيض خدمة الدين العام وبالتالي الدين العام. ولكن أزمة الموازنة الأميركية قد تؤخر هذا النمو وتدفع الولايات المُتحدة الأميركية الى عدم دفع قسم من استحقاقاتها المالية اذا لم يُرفع سقف الدين العام قبل 17 تشرين الأول 2013. ثانياً زيادة الضرائب:  تتمتع الولايات المُتحدة الأميركية بهامش تحرك ضريبي مهم يبلغ 30% من الناتج المحلي الاجمالي مقابل 55% للنروج و44%لبريطانيا. لكن فرض ضرائب يُقلل من القدرة الشرائية للمواطن لذا فان الاحتمال الأكثر وروداً هو رفع الضرائب على الاستهلاك (هذه الضريبة منخفضة جداً).ثالثاً دفع التضخم الى مستويات أعلى:  يعتقد بعض الاقتصاديين أن تضخما بنسبة 5 الى 6% يسمح للولايات المُتحدة الأميركية بتخفيف وزن الدين العام.فالتضخم يُساعد على تخفيض معدل الفائدة الحقيقية وبذلك الفائدة المدفوعة للمستثمرين. وفي دراسة لـ رينهارت (Growth in a Time of Debt-2010)، أثبت الكاتب العلاقة بين النمو، الدين العام والتضخم في الولايات المُتحدة الأميركية منذ العام 1970. وحسب هذه الدراسة، فان التضخم يلعب دور المُنظم في أوقات الأزمات ويسمح باعادة التوازن المالي. وبما أن القسم الكبير من الاستثمارات في الولايات المُتحدة الأميركية يعود للأجانب، فان خفض معدل الفائدة الحقيقية لن يكون له تأثير على الأميركيين وسيسمح بخفض الدين العام الأميركي.ولاثبات مدى تأثر المسؤولين الاقتصاديين في أميركا بهذه النظرية، يكفي ملاحظة الهدف الرئيسي للاحتياطي الفديرالي الأميركي، أي نسبة التضخم.فالمصرف المركزي الأميركي، يود رؤية نسبة تضخم عالية وهذا ما أتى عدة مرات في تصاريح حاكم المركزي. وهذا أيضاً ما يُبرر لجوء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الى تسييل الديون (Quantitative Easing) بهدف زيادة التضخم.  واذا ما نظرنا الى معدل التضخم في الولايات المُتحدة الأميركية، نرى أن هذا المعدل قد ازداد بفعل زيادة السيولة والتضخم المُستورد الناتج عن ارتفاع أسعار المواد الأولية من الدول النامية.هل هناك من دروس للبنان؟من البديهي القول أن الوضع الأميركي مليء بالدروس للبنان. فتفاقم الدين العام الأميركي ناتج عن عجز مزدوج كما هي الحال في لبنان: عجز مزمن في الموازنة وعجز في ميزان الحساب الجاري. ما يعني أننا سائرون على نفس الطريق الأميركي. لكن وبكل بساطة لا يُمكن مقارنة الاقتصاد الأميركي بالاقتصاد اللبناني، فالاول كامل وشامل في حين أن الثاني مبتور (هيكلية الاقتصاد).كما أن الأول يتمتع بأمان في حين أن الثاني محروم من الأمان. فاذا كانت دولة بعظمة الولايات المُتحدة الأميركية تُعاني مشاكل مع الدين العام فكيف حال بلد صغير اقتصادياً كلبنان؟ لذا فان الدرس الأساسي الذي يجب أخذه من الحالة الأميركية، هو وضع حد للعجز في الموازنة بهدف لجم الدين العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.