الدولة تستأجر مقرات لإداراتها ومؤسساتها فيما املاكها تنتظر مَن يستثمرها!

0

سلوى بعلبكي

مع التوسع في استحداث المزيد من المؤسسات والادارات العامة، والتوسع في التعاقد والتوظيف، من البديهي أن تصبح المباني الحالية عاجزة عن الاستيعاب، بما يضطر الدولة الى استئجار مبان جديدة لتلبية حاجات هذا التوسع.

 

 

فيما يرتب استئجار هذه الأبنية كلفة ترتفع دوريا نتيجة قوانين الإيجار التي تجيز للمالك إدخال الزيادة التي يريد على عقود الإيجار كل 3 سنوات او الطلب من المستأجر إخلاء المأجور وما يرتبه ذلك من كلفة إضافية على الدولة، نجد في المقابل أن الدولة تملك عقارات لا تعد ولا تحصى مؤهلة لتشييد مبان حكومية عليها، تمكنها من توفير هذه الكلفة وتأمين مداخيل اضافية في حال عمدت الى تأجير قسم منها، أو تأجير اراض تملكها لشركات خاصة تبني عليها بطريقة الـBOT.
تملك الدولة نحو 228 عقارا في بيروت بعضها مكاتب تشغلها إدارات حكومية وبعضها الاخر مكاتب شاغرة والقسم الثالث اراض شاغرة يمكن التشييد عليها، وهي موزعة وفق ما جاء في المجلة الشهرية التي تصدرها “الدولية للمعلومات” كالآتي: الاشرفية: 31 عقارا، الرميل: 1، الصيفي:3، المدور: 12، المرفأ:21، المزرعة: 37، المصيطبة: 42، رأس بيروت: 18 ، زقاق البلاط: 1، عين المريسة: 8، المصيطبة: 11، رأس بيروت: 43.
وسبق لمجلس الخدمة المدنية (ادارة الابحاث والتوجيه) أن اقترح خطة لتشييد أبنية حكومية على الأراضي تملكها الدولة واستخدام أبنية تملكها الدولة ونقل إدارات من مبان إلى أخرى للحد من الاستئجار. ومن ضمن هذه الادارات الجامعة اللبنانية، إذ يؤكد العميد السابق لكلية الاعلام ومؤسس فروع الجامعة اللبنانية في البقاع البروفسور أنيس مسلم لـ”النهار” أن الدولة استأجرت نحو 5 مبان لفروع الجامعة في البقاع، بما يكلفها مبالغ طائلة علما أن لدى الدولة عقاراً كبيراً جدا في المنطقة يمكنها بناء مجمع يحوي كل فروع الجامعة في البقاع. وفي حال ليس للدولة التمويل اللازم لبناء مشاريع على عقارات الدولة، يقترح مسلم الاستعانة بالاتحاد الاوروبي أو ببعض الدول الصديقة لتمويل هذه المشاريع.
وإزاء ارتفاع كلفة الإيجارات وضعت الحكومة خطة لشراء أو تشييد أبنية حكومية على ارض تملكها، لكن هذه الخطة لم تنفذ سوى جزئياً لغياب التمويل اللازم، أو للرغبة في الاستمرار في إيجار العديد من الأبنية نظراً للمنافع التي يحققها المالكون ومن يدعمهم من المسؤولين والسياسيين. إلا أن المشكلة وفق “الشهرية” هي الارتفاع الكبير في هذه الكلفة إذ بلغت في العام 2005 نحو 68,2 مليار ليرة ووصلت في 2015 إلى نحو 97,7 ملياراً أي بارتفاع قدره 29,5 ملياراً وبنسبة 43%، وهي كلفة مرشحة للازدياد سنوياً نتيجة التوسع في الأبنية الحكومية وكذلك نتيجة ارتفاع كلفة الإيجارات بعد إقرار قانون الإيجارات الجديد.

ووفق الارقام المتوافرة من قانون موازنة العام 2005 ومشروع قانون موازنة سنة 2015، فإن كلفة إيجار الأبنية بين هذين العامين أظهرت الارتفاع الآتي:
– ارتفاع في كلفة إيجار مبنى الإحصاء المركزي من 350 مليون ليرة إلى 1.329 مليار ليرة أي بمقدار 979 مليون ليرة. نتيجة انتقال المقر من منطقة القنطاري إلى منطقة انطلياس.
– ارتفاع في كلفة إيجار الأبنية التابعة لوزارة المالية من 2,2 مليار ليرة إلى 3,6 ملياري ليرة أي بمقدار 1,4 مليار ليرة وينطبق الأمر عينه على مديرية الشؤون العقارية (ارتفاع بمقدار 997 مليون ليرة) وإدارة الجمارك (ارتفاع بمقدار 675 مليون ليرة).
– ارتفاع في كلفة الأراضي والأبنية التي يستأجرها الجيش بمقدار 1 مليار ليرة.
– ارتفاع في كلفة أبنية المدارس الحكومية بمقدار 8 مليارات ليرة.
– ارتفاع في كلفة إيجار مبنى وزارة الزراعة من 350 مليون ليرة إلى 1,195 مليار ليرة أي بمقدار 840 مليون ليرة.
– ارتفاع في كلفة إيجار السفارات والبعثات في الخارج بمقدار 7,5 مليارات ليرة.
– ارتفاع في إيجار مباني الأمن العام بمقدار 535 مليون ليرة نتيجة إنشاء مراكز جديدة.
– تراجع في إيجار مبنى التعاونيات التابع لوزارة الزراعة.
إلى ذلك تستأجر المؤسسات العامة والبلديات العديد من الأبنية بكلفة مرتفعة تناهز الـ 100 مليار ليرة سنوياً. ومن هذه المؤسسات على سبيل التعداد لا الحصر: مجلس الجنوب، الصندوق المركزي للمهجرين، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مؤسسة اليسار، مؤسسة المحفوظات الوطنية، المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات، تعاونية موظفي الدولة، المشروع الأخضر، الضمان الاجتماعي، مصالح المياه في المحافظات ومكاتبها في الاقضية والبلدات، مؤسسة الكهرباء، المعهد الوطني للإدارة، المؤسسة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، المركز التربوي للبحوث والإنماء، فروع الجامعة اللبنانية في المحافظات والمناطق.
هذه الأرقام برأي الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أرقام كبيرة تعكس غياب إدارة رشيدة لأملاك الدولة وأصولها. وهذا الإهدار الناتج من عقود عدة من الإدارة السيئة وفي غياب رقابة صارمة يُخسّر الدولة الكثير من الأموال التي كانت لتُستثمر في الاقتصاد. وهنا يسأل عجاقة: لماذا لا يتمّ إنشاء مجمّعات حكومية في كل محافظة خصوصاً أن وسائل النقل أصبحت أسهل بكثير نسبة إلى القرن الماضي؟، ولماذا لا تجتمع كل الوزارات في مجمّع واحد يكون ملك الدولة اللبنانية؟
وفي حين يرجع البعض هذا الأمر الى عدم توافر التمويل، يقترح عجاقة وضع خطة تستطيع الدولة من خلالها بناء منشآت على مراحل وتوفير كلفة الإيجارات لبناء المجمعات الأخرى. لكن من الواضح أن السبب ليس التمويل برأيه، فالإهدار الذي يطال كل المؤسسات العامة، يأتي من منطلق أن أصحاب النفوذ بإعتقادهم أن فتح مرفأ عام في منطقة معينة، يُحيي المنطقة. لكن الواقع هو أن ازدهار الاقتصاد وإنشاء الشركات الخاصة وتوفير فرص عمل تسمح بإحياء المنطقة المعنية ليُصبح بذلك المرفأ العام ثانوياً.
أما الكلفة العالية للإيجار في السفارات والبعثات في الخارج، فمردها وفق عجاقة الى المناطق العالية الكلفة التي تختارها البعثات والسفارات للإقامة فيها وهذا أمر غير مقبول. إن الإدارة الرشيدة لأملاك الدولة يجب أن يتمّ عبر إنشاء مديرية أو مؤسسة تهتم حصرياً بإدارة الأملاك العامة وتسعى إلى التوفير في وقت تُسجّل فيه الموازنة العامة عجزاً كبيراً. ولا يخفى على أحد أن لائحة الأملاك العامة التابعة للدولة يجب أن تكون متوافرة للجميع بحيث يُمكن كل مواطن لبناني الاطلاع عليها وذلك من مبدأ الشفافية ولأن المواطن هو من يدفع في النهاية.
اذا الحل وفق عجاقة هو ببناء مجمع لكل الوزارات في منطقة واحدة، بما يكفل بتوفير 40% من مجمل الإيجارات، كذلك يجب على المؤسسات المُنتشرة على الأراضي اللبنانية إعتماد المبدأ عينه وهذأ أيضاً يسمح بتوفير ما بين 50 إلى 60 مليار ليرة سنوياً.

رابط النهار

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.