هل يُشكّل القطاع العقاري خطراً على القطاع المصرفي؟

0

في تصريح له، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أنه بصدد خلق صندوق عقاري في المصارف اللبنانية. هذا الصندوق يهدف إلى دعم القطاع العقاري الذي يعاني من حالة ركود. إلا أن التحليلات تُظهر أن أحد أهداف الصندوق هو تخفيف نسبة تعرض المصارف اللبنانية لتأثيرات هذا القطاع.

 


بين القطاع المصرفي والقطاع العقاري حكاية طويلة بدأت فصولها مع إنتهاء الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي وبلغت أوجها في أعوام المجد 2005 إلى 2010. القطاع العقاري ظهر أكثر إلى العلن بُعيد عدوان تمّوز 2006 الذي أبرز، ليس فقط الحاجة إلى إعادة بناء ما هدّمه العدو، لكن أيضاً حاجة السوق إلى العقارات، خصوصاً مع بروز لبنان كإقتصاد واعد في ذلك الوقت، وبالتالي إنهالت عليه الإستثمارات الأجنبية المباشرة كما الإستثمارات الداخلية.

آذار العام 2011 هو تاريخ نقطة بدء تراجع القطاع العقاري، متزامناً بذلك مع ثلاثة أحداث: بدء الأزمة السورية، تراجع الدورة الاقتصادية، وتقرير الخزينة الأميركية الذي لحظ إمكان احتواء لبنان على نشاط يتعلق بتبيض الأموال. هذا التاريخ شهد تراجع الطلب بالدرجة الأولى مع أسعار عقارات إرتفعت 500% عن مستواها في العام 2005. ومع مرور الوقت بدأت عمليات البناء بالتراجع ولكن بفارق سنتين إلى ثلاث سنوات عن تراجع الطلب. وإتجه المطورون العقاريون نحو الشقق الصغيرة الحجم لتلبية الطلب الموجود الذي تعيقه الأسعار المرتفعة، فكان في ذلك إستمرارية للقطاع حتى بدء العام 2015.

في العام 2015 ومع الشلل السياسي الكبير على الساحة اللبنانية، تراجع الاقتصاد بشكل كبير إلى درجة تراجع معه الإستهلاك حتى على المواد الغذائية. أضف إلى ذلك أن العديد من المواطنين اللبنانيين أصبحوا يرزحون تحت عبء ديون للمصارف، وبالتالي هناك إستحالة لإستخدام القطاع العقاري كوسيلة إستثمارية. وكردة فعل على هذا الأمر، بدأ المطورون العقاريون يتحدثون عن شقق للأشخاص ذوي الدخل المحدود، عل ذلك يعطي جرعة أمل بالإستمرارية خصوصاً أن هناك طلب من قسم من المجتمع اللبناني على هذه المساكن.
لكن في نفس الوقت، هناك ديون على أصحاب الشقق وعلى أصحاب المشاريع العقارية. هذه الديون تعود بقسم كبير منها إلى المصارف اللبنانية، وبالتالي، فإن تراجع الماكينة الاقتصادية اللبنانية يُنذر بأزمة تخلف عن دفع الديون. هذا الأمر إذا ما حصل بشكل واسع – أي طال شريحة كبيرة من الأشخاص – قد يؤدي إلى اهتزاز القطاع المصرفي.

في هذا الوقت تواجه المصارف اللبنانية عددا من التحدّيات، على رأسها خطر خفض التصنيف الإئتماني الذي – إن حصل – سيُقلل من ربحية المصارف. وهذا الأمر مُرجح بوجود عدة عوامل منها تآكل المالية العامة وزيادة تعرض المصارف للديون السيادية، الشلل السياسي الحالي الذي يؤخر الإصلاحات الاقتصادية الضرروية للنهوض بالإقتصاد، محدودية الإستثمارات الإقليمية والدولية مع وجود الكم الهائل من القيود على المصارف اللبنانية من قبل المجتمع الدولي، ومن قبل مصرف لبنان. أضف إلى ذلك التعرض للقطاع الخاص عبر قروض تفوق الـ 50 مليار دولار مُقسمة بين القطاعات المُختلفة. وتبقى حصة الأسد من هذه القروض إلى الأشخاص، تليها القروض إلى القطاع التجاري والقروض إلى القطاع العقاري الذي يُساهم بنسبة 16% من الناتج المحلّي، مع مساهمة بالنمو قريبة من الصفر وقروض تفوق الـ 17% من مجمل القروض إلى القطاع الخاص. وذلك يضعنا أمام عدة سيناريوهات أسوأها تخلف قسم كبير من القطاع عن الدفع، وبالتالي وضع اليد على المُمتلكات المرهونة لتُصبح بذلك المصارف في وضع يُشبه وضع المصارف الأميركية إبان الأزمة المالية العالمية في العام 2007.

هذا الأمر دفع بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة – الذي يملك حسّ إستباق الأمور – إلى الإعلان عن خلق صناديق عقارية بهدف توزيع المخاطر، وذلك عبر عرض هذه الصناديق في الأسواق المالية، ما يجعل منها أدوات قريبة من “التوريق” Securitization (إمكانية الحصول على تمويل جديد عن طريق تحويل القروض إلى أوراق مالية في صورة أسهم أو صكوك أو سندات)، وهذا الأمر يفرض تلقائياً تصنيف إئتماني لهذه الصناديق.

هل هناك خوف على القطاع المصرفي؟

الجواب بكل بساطة: كلا. فما دام حاكم مصرف لبنان يمتلك القدرة الإستباقية على توقع الأحداث ووضع الخطط اللازمة لإستيعاب تداعياتها السلبية، لا خوف على القطاع المصرفي. فضلا عن أن إحتياط مصرف لبنان يوازي قيمة الناتج المحلّي الإجمالي للبناني، والقطاع المصرفي حجمه أربعة أضعاف الناتج المحلّي الإجمالي. هذا الكم من السيولة يستطيع إستيعاب الصدمات التي من المُمكن أن تأتي من القطاع العقاري.

أبعد من ذلك، صرّح سلامة أن مصرف لبنان سيضع في متناول السوق رزمة جديدة من القروض تصل إلى 1.5 مليار دولار لدعم القطاعات الواعدة كالصناعة الرقمية وغيرها. وهذا الأمر سيخلق نموا يسمح للبنان بالإستمرار مالياً وإقتصادياً بإنتظار الفرج من الساحة السياسية.
وعلى هذا الصعيد، من غير المقبول أن يستمر الشلل في المؤسسات الدستورية (التنفيذية والتشريعية) لأن في ذلك ضرر هائل على الاقتصاد الذي سيمتد ليطال كل القطاعات، ويوصل إلى إنهيار في حال لم يتمّ إنتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وإنتخاب مجلس نواب بقانون إنتخاب عادل. وهذا الوضع ما هو إلا نتيجة عدم فصل الاقتصاد عن السياسة والكل يحمل المسؤولية في ذلك.

 رابط المدن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.