ما هي التحديات الإقتصادية للحكومة المقبلة؟

0

مع كثرة الحديث عن تأليف حكومة حيادية من 14 وزيراً، أخذت التحديات الأمنية، السياسية والإقتصادية التي تُواجه هذه الحكومة بالظهور إلى العلن. وككل حكومة مُشكّلة، يتوجب عليها إعلان بيان وزاري يكون بمثابة الخطوط العريضة لسياستها. فما هي القيود المفروضة على البيان الوزاري؟ ما هي التحديات الإقتصادية لهذه الحكومة؟ وما هو مضمون الشق الإقتصادي للبيان الوزاري؟ مرّت تسعة أشهر على التكليف بدون أي نتيجة، هذا ما يستنتجه المراقب للوضع اللبناني. عوامل عدة منعت الرئيس من النجاح في طرح تركيبة تُرضي الأطراف كافة، على رأس هذه العوامل الإنشقاق الناتج عن الأزمة السورية التي دكّت هياكل النظام السياسي والإقتصادي.

وقد تضرّر الوضع الإقتصادي بشكل كبير أصبحت معه العودة إلى وضع طبيعي شبه مستحيلة في ظل الأوضاع الحالية. وإذا ما سلمنا جدلاً بأن الأوضاع الأمنية والسياسية آلت إلى الثبات، فإن إعادة الماكينة الإقتصادية إلى حالتها الطبيعية تتطلّب وقتاً طويلاً قد يفوق العامين، بحسب مبدأ الإنيرسيا (Inertia).

البيان رهن الظروف

لا شك أن الحكومة الجديدة ستكون في موقف لا تُحسد عليه، فإحتمال عدم إنعقاد المجلس النيابي لإعطائها الثقة سيُصعّب وضعها لأن بيانها الوزاري سيصبح بلا قيمة فعلية.

وحقل هذا البيان الوزاري تُحدّده العوامل التالية:

أولاً: الوضع الأمني الذي تخطّى حدود المنطق وأعاد لبنان إلى زمن الحرب الأهلية.

ثانياً: مواقف الفرقاء اللبنانيين من الأزمة السورية ومستوى الإنخراط فيها.

ثالثاً: مواقف الفرقاء اللبنانيين من ثلاثية الشعب، الجيش والمقاومة.

رابعاً: ظاهرة التطرّف التي تُبرز إلى العلن مشكلة الخوف لدى بعض شرائح المجتمع اللبناني.

خامساً: الإلتزامات الخارجية لبعض القوى السياسية اللبنانية وما تُجسّد من صراع إقليمي-إقليمي.

سادساً: الإنقسام حول بعض الملفات الساخنة كالحدود اللبنانية – السورية، ملف النفط اللبناني، تسليح الجيش اللبناني بهبة سعودية وغيرها من الملفات التي تُجسّد التباعد في وجهات النظر.

سابعاً: الوضع الإقتصادي المتردّي، خصوصاً ملف الدين العام وعجز المالية العامة.

لكن التحدي الكبير للبيان الوزاري يبقى في كيفية وضع خطة إقتصادية في غياب الأمن، ومع تشرذم سياسي حاد، سيجعل من تطبيق هذه الخطة مهمة مستحيلة.

التحديات الإقتصادية للحكومة

لا شك أن الوضع الإقتصادي هو من أسوأ ما وصل إليه لبنان منذ الحرب التي عصفت في لبنان في أواخر ثمانينات القرن الماضي. وعليه، لا يُمكن الإستمرار على هذا النمط، فالإقتصاد اللبناني أصبح إقتصاداً ريعياً بإمتياز، ولا توجد مُقومات فعلية للإقتصاد اللبناني. ومن يتغنّى بمتانة القطاع المصرفي، نُذكّره بأن القطاع المصرفي موجود لتمويل الإقتصاد وأن القطاع المصرفي يعيش من وراء الإقتصاد.

كما أن حجم القطاع المصرفي اللبناني الذي يبلغ ثلاثة أضعاف حجم الإقتصاد اللبناني يُمَوّل وبشكل شبه إستثنائي خزينة الدولة، ولا يُمكنه الإستمرار على هذا النحو تحت طائلة التعرّض لمخاطر إفلاس الدولة. بما يعني أن على هذا القطاع إعتماد إستراتيجية توسّع إقليمي لإستثمار ودائعه.

ومن أهم التحديات الإقتصادية التي ستواجه الحكومة العتيدة:

– إعادة السيطرة على المالية العامة التي تتمثّل بالدرجة الأولى بعجز في الميزانية العامة يتحوّل بشكل ميكانيكي إلى دين عام، كما وهدر عام لا يتماشى مع مدخول الدولة. بما يضع الدولة تحت خطر خفض التصنيف الإئتماني، ويُفقدها قدرتها على الإنفاق الإستثماري، ويمنعها من تنفيذ سياسة ضريبية لجذب المستثمرين.

– تحفيز الإستهلاك الداخلي والذي يُعاني من ضعف ناتج عن زيادة البطالة وإلغاء الكثير من الوظائف في سوق العمل، خصوصاً في قطاع السياحة الذي تضرّر جراء الأزمة السورية وإستيرادها إلى الشارع اللبناني.

– تحفيز الإستثمار الخاص الذي يهرب جراء الأوضاع الأمنية، إلى الدول المجاورة كالعراق وتركيا. وتلعب عدم ليونة القوانين والمعاملات الإدارية، كما وسياسة ضريبية مؤاتية دوراً مهماً في خفض شهية الإستثمار لدى المُستثمرين اللبنانيين والأجانب.

– لجم التضخّم الذي يقضي على كل رغبة في الإستثمار وعلى القدرة الشرائية لدى المُستهلك. ويلعب هذا التضخّم، والذي تعود أسبابه إلى عوامل غير إعتيادية كسلسلة الرتب والرواتب والقطاع العقاري وغيرها، دوراً أساسياً في قتل النمو في لبنان. وإذا كانت المعايير العالمية تنصّ على أن نسبة تضخّم بين 2 و3% هي نسبة معقولة، فإن التضخم في لبنان تخطّى هذه النسب بدرجات.

المضمون الإقتصادي للبيان

يفرض وضع خطة إقتصادية وجود أمن مستتب وثبات سياسي. وفي غياب هذه العوامل الأساسية، يُمكن الإستنتاج أن أكثر ما يُمكن للحكومة القيام به هو تخفيف التدهور الإقتصادي. لذا من الطبيعي أن تتمحور الخطة الإقتصادية لهذه الحكومة حول لجم العجز في الميزانية العامة والدين العام عبر لجم الهدر ووضع ميزانيات واقعية وتقشفية.

كما يتوجب على البيان الوزاري لحظ دعم الإستثمارات وتمويلها من الضرائب على الأملاك البحرية والشقق الشاغرة وطابق الميقاتي وغيرها من الإجراءات التي ستؤمّن أرضية مقبولة للبنى التحتية للإقتصاد اللبناني.

أما في ما يخصّ ملف النفط، فإن وجود فقرة تسمح أقله بمناقشة وإقرار مرسومي شروط التلزيم وتقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة إلى رقع، مطلوب بشدة على الرغم من ضآلة الأمل في البدء بعملية التنقيب في العامين المقبلين.

في الختام، يتوجب على المسؤولين معرفة أن اللبنانيين سئموا الأقوال ويريدون أفعالاً. بما يعني وجوب وضع خطة إقتصادية متواضعة يُمكن إنجازها في الظروف الحالية، خصوصاً مع قرب الإستحقاق الرئاسي والذي تُظهر بوادره أنه سيكون عهد فراغ رئاسي ويُنذر بأخذ لبنان إلى إحتمالات تشاؤمية كثيرة.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.