هل ينجح برنامج المساعدة المالية لأوكرانيا؟

0

وافق صندوق النقد الدولي على برنامج مساعدة مالية لأوكرانيا التي تمرّ في مرحلة مالية صعبة جداً، وغياب هذه المساعدة سيؤدي إلى إفلاس أوكرانيا. لكنّ هذه المساعدة محفوفةً بمخاطر جيوسياسية. فما هي هذه المخاطر؟ وما هي نسبة نجاح برنامج المساعدة؟ وضع أوكرانيا السياسي والأمني والإقتصادي يُشبه إلى حدّ كبير وضع لبنان أقله العوامل المؤثرة فيه. فالإقتصاد الأوكراني متعلق بنسبة كبيرة بروسيا، كما أنّ الوضع الأمني رهينة إنقسام الشعب الأوكراني الذي يعاني إنقساماً مذهبياً (أورثودكس، كاثوليك، وسنّة) وإنقساماً عرقياً.

وأظهرت عملية ضمّ القرم إلى روسيا هشاشة الهوية الوطنية الأوكرانية التي تتأرجح بين تعصب الجبهة الوطنية وإنحياز الأوكرانيين الأورثودكس إلى روسيا.

وتقوم روسيا بزيادة الضغط الإقتصادي والسياسي على أوكرانيا بشكل كبير لدرجة أصبحت معها أوكرانيا تتفتت من الداخل. فعلى الصعيد السياسي تُهدّد الثورة التي يقوم بها الأوكرانيون الموالون لروسيا الثبات السياسي لأوكرانيا كما وسيادتها الوطنية، وعلى الصعيد الإقتصادي تُهدّد المطالبة الروسية بديونها من أوكرانيا بإفلاس هذه الأخيرة.

لماذا أوكرانيا على شفير الإفلاس؟

أوكرانيا على شفير الإفلاس لأنّ روسيا تُطالبها بمبالغ لا تستطيع دفعها ولأنّ هناك خوفاً من فقدان أوكرانيا السيطرة الإقتصادية على القسم الشرقي من البلاد ما يُسبب بخسارة كبيرة لها.

وفي التفاصيل تُطالب روسيا أوكرانيا بدفع مستحقات بقيمة 11.4 مليار دولار أميركي، كما تُطالب شركة غازبروم الروسية أوكرانيا بدفع 2.2 مليار دولار أميركي ثمن الغاز المصدَّر إلى أوكرانيا حديثاً. لكنّ المشكلة تكمن في تصاعد الأحداث الأمنية ما دفع العملة الأوكرانية (الهريفنيا) إلى التدهور. وهذا التدهور في العملة، أرغم البنك المركزي الأوكراني على التدخل للدفاع عنها ما أكل الإحتياط بسرعة كبيرة (10% في الشهر).

وأمام هذا الواقع ترفض المصارف إقراض كييف نظراً للمخاطر الإئتمانية العالية ونظراً للهروب الواسع النطاق لرؤوس الأموال الخاصة. كلّ هذا يُقرب أوكرانيا من الإفلاس والتي بحسب وكالة موديز المخاطر هي الأعلى في العالم.

ونظراً للأحداث التي تعصف بشرق أوكرانيا، هناك خطر من فقدان أوكرانيا لجزء حيويّ من أراضيها، وهذا سيكون له تداعيات كبيرة جداً من ناحية أنّ هذه المناطق غنية بالمواد الأولية، الصناعة والزراعة.

فعدد سكان هذه المناطق يتجاوز الخمسة ملايين نسمة مع ناتج محلي يُشكل 27% من الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا. كما أنّ الناتج المحلي الإجمالي للشخص الواحد في هذه المناطق أعلى من معدل أوكرانيا والأجور فيه أعلى بمرتين من باقي المناطق.

وهذا الفرق مع باقي المناطق الأوكرانية ناتج من الموارد الطبيعية (فحم، حديد، وفولاذ) ومن القطاع الصناعي المتنوع الذي يؤمّن 20% من الصناعة الأوكرانية (الصناعة الكيماوية، والفحم، والقطاع العقاري…). وهذا فرق أساسي مع القرم التي تعيش بالدرجة الأولى من السياحة. والقطاع الزراعي في شرق أوكرانيا مزدهر ويُنتج بالدرجة الأولى القمح، والشعير والبنجر التي تُصدّرها إلى روسيا وأوروبا وآسيا. وهذا مخالف للإعتقاد والذي يقول إنّ غرب أوكرانيا هو الوحيد الغني بالزراعة.

والأحداث الأخيرة في شرق أوكرانيا، تدل على أنّ إنفصال المنطقة الشرقية عن أوكرانيا سيكون كارثياً على الإقتصاد الأوكراني ما يعني إرتفاع الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بسبب زيادة الدين العام وخفض الناتج المحلي الإجمالي.

أوكرانيا بحاجة إلى 27 مليار دولار أميركي…

لتفادي الإفلاس المحتوم، يتوجب على أوكرانيا تأمين مبلغ وقدره 27 مليار دولار أميركي لدفع المستحقات الروسية ومستحقات المصارف المُقرضة، كما وتمويل الإنفاق الجاري. لكن من أين يُمكن لأوكرانيا تأمين مثل هذا المبلغ؟

الجواب بالطبع من المجتمع الدولي وبالتحديد صندوق النقد الدولي، الإتحاد الأوروبي والبنك الدولي. لكنّ الإتحاد الأوروبي ليس مستعداً في الوضع الحالي لإقراض أوكرانيا هذا المبلغ خصوصاً وأنّ أوكرانيا ليست جزءاً من الإتحاد، ما يعني أنّ صندوق النقد الدولي سيكون الأول على اللائحة.

وفعلاً وافق صندوق النقد الدولي على برنامجِ دعمٍ لأوكرانيا بقيمة 17 مليار دولار على أن يؤمّن الباقي لاحقاً من الإتحاد الأوروبي والبنك الدولي. لكنّ هذا البرنامج مرهون بشروط عدة وعلى رأسها الإصلاحات الإقتصادية، التي ويغياب سيطرة الحكومة الأوكرانية على أراضيها كلها سيكون هناك عقبة أساسية أمام تطبيقها.

وتفاصيل البرنامج تنص على دفع مبلغ فوري وقيمته 3.2 مليارات دولار أميركي على أن يتم دفع الشرائح الأخرى بحسب تطبيق كييف للإصلاحات وعلى رأسها الفساد المُستشري.

وهذا بالطبع إذا ما طُبق سيكون نطاقه المنطقة الوسطى والشمالية والغربية من أوكرانيا على أساس أنّ الجنوب والشرق أو ما يُسمّى بـ «الحوض الصناعي» سيكون خارج السيطرة الفعلية لكييف. والتفسير المنطقي لتأهب الجيش الأوكراني هو الخوف من خسارة هذا الحوض الذي سيكون كارثياً على الإقتصاد.

هناك أيضاً عامل إقتصادي قد يمنع تطبيق الإصلاحات ويدفع إلى تدهور الإقتصاد أكثر، ألا وهو التشابك الإقتصادي بين روسيا وأكرانيا. فالعقوبات المفروضة على موسكو من المجتمع الدولي سيكون لها تأثير في الإقتصاد الروسي الذي دخل مرحلة الركود رسمياً، وبالتالي سيكون له ردود فعل على الإقتصاد الأوكراني.

الإصلاحات لا تلقى الترحيب…

وكعادتها تنص الإصلاحات على عدد من الإجراءات غير الشعبية والتي ستثير غضب الشارع وقد تؤدي إلى ثورة شعبية في المناطق الخاضعة لسلطة كييف ومن بينها: خفض الدعم على المحروقات وهذا يعني إرتفاعاً في أسعارها بنسبة 50%، لجم الأجور في القطاع العام، خفض العجز العام بنسبة 2% وغيرها من النقاط غير المقبولة من الشعب. وما يزيد الوضع سوءاً، أنه من المتوقع أن يكون النموّ في الإقتصاد الأوكراني سلبياً وبقيمة 5% هذا العام (صندوق النقد الدولي).

مصلحة روسيا في هذا كله…

بالطبع لن نحكم على النوايا لكن على الوقائع. لنفترض أنّ روسيا ليس لها يد في الإضطرابات الحاصلة في شرق أوكرانيا، إلّا أنّ ما يحدث يصب في مصلحتها ولا سيما أنّها لا تُسيطر عسكرياً فحسب على أوكرانيا بل تُسيطر عليها ايضاً إقتصادياً. والرسالة الأولى للمجتمع الدولي هي: لا يُمكن فرض عقوبات على روسيا لأنّ في ذلك هلاكاً لأوكرانيا كذلك كسراً للإقتصاد الأوروبي المتعلق بنواحٍ كثيرة بالغاز الروسي والمواد الأولية.

ويحق لنا السؤال عن مدى جدية برنامج الدعم المالي المقرر من صندوق النقد الدولي لأوكرانيا ونحن نعرف سلفاً أنه لن يُجدي نفعاً في الأجواء الحالية ومع الشروط المفروضة.

والإحتمال هو أن يكون المجتمع الدولي يربح الوقت مع روسيا عبر مساعدة أوكرانيا على سدّ المستحقات العاجلة وأملاً في أن يؤدي الركود الإقتصادي الذي دخل فيه الإقتصاد الروسي الى لدفع بوتين الى العدول عن خطته «بضمّ شرق أوكرانيا إلى روسيا». من هنا نرى أنّ أحد الحلول التي تأخذ طريقها وهو جعل أوكرانيا فيديرالية، يمكن ان يكون حلاً يُرضي روسيا.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.