«السلسلة»… زمن الإنتخابات

0

تزداد الصرخات مطالبةً الحكومة بإسترداد مشروع سلسلة الرتب والرواتب وذلك على خلفية إجتماعات اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة، والتي تُظهر أنّ الموارد المتاحة لن تتعدى الـ 1500 مليار ل.ل في حين أنّ الكلفة تُقدّر بـ3000 ما يعني أنّ أمام السلسلة وقتاً قبل إقرارها. لا يُخفى على أحد أنّ مشروع سلسلة الرتب والرواتب هو مادة إنتخابية بإمتياز. ويقوم بعض المسؤولين السياسيين بإستغلال هذا الموضوع على عتبة الإستحقاقات النيابية التي ستأتي في أيلول المُقبل.

ومن المؤكد أنّ الحكومة السابقة أحالت مشروع السلسلة على المجلس النيابي تحت ضغط الشارع. ومنذ ذلك الوقت تقوم اللجنة الفرعية بعرض إنجازاتها (على شكل حلقات من فيلم مكسيكي)، وفي النتيجة لا يُمكن إقرار المشروع بحاله هذه، وهذا يعود إلى أنّ لا الحكومة السابقة ولا اللجنة الفرعية قامتا بدراسة معمّقة للسلسلة لمعرفة مدى شموليتها وكلفتها وتداعيتها.

منذ شباط 2012 وحتى اليوم، عامان مرّا لنستخلص أنّ المشروع المقدّم لا يُمكن إقراره لأنّ التمويل لا يُغطّي الكلفة. ويحقّ لنا السؤال عن نية الأفرقاء كافة، حكومة، مجلس نيابي، هيئات إقتصادية، ونقابات عمالية، بإقرار السلسلة. والخطابات الجيّاشة التي يلقيها مسؤولو النقابات العمالية وبعض القيّمين على الشأن العام، ما هي إلّا تحضيرات للإنتخابات النيابية القادمة.

ولا يُمكن مقاربة موضوع السلسلة من الناحية العاطفية، بل من ناحية علمية بحتة. وهذه الأخيرة تنصّ على أنّ مَن يدرس سلسلة الرتب والرواتب، عليه الإجابة على الأسئلة التالية: (1) أحقية السلسلة (هل هناك من ضرورة لرفع الأجور؟ وما هي نسبة الزيادة؟)، (2) تمويل السلسلة (مَن تطال هذه الزيادة؟ كم هي كلفة الزيادة؟ ما هي مصادر التمويل؟)، و(3) التداعيات الإقتصادية (هل مِن تداعيات تضخّمية على الإقتصاد؟ وما هو وضع المالية العامة في ظلّ إقرار السلسلة؟).

وفي النهاية، إذا كان هناك من أسباب تمنع إقرار السلسلة على رغم أحقيتها، فيجب في هذه الحال إيجاد الحلول الممكنة.
بحسب رأينا، لم تستطع الحكومة السابقة ولا اللجنة الفرعية الردّ على هذه الأسئلة كلها وبشكل كامل. فالمقاربة بمعظمها كانت مقاربة تقريبية لعدم وجود أرقام، ومقاربة إنتخابية قام بها بعض القيّمين على الشأن العام وحلم بها الموظف كخشبة خلاص للوضع المأساوي الذي يعيشه.

الأحقية لا تعني الإنتحار الإقتصادي…

لا يخفى على أحد، أنّ الموظفين في القطاع العام يعيشون في ظلّ غياب العدالة الإجتماعية والتي تضرّ بهم منذ عشرات السنين. وهذا الواقع يعرفه القيّمون على الشأن العام لكن خلال عشرات السنوات لم يتغيّر أيّ شيء.

وفي عزّ النموّ الإقتصادي الذي شهده لبنان بين العامين 2005 و2010، لم يتم تصحيح الأجور بل كان هناك نوع من تصحيح لغلاء المعيشة (200 ألف). لكنّ هذا التصحيح كان بعيداً من الواقع على الأرض حيث إنّ الأرقام تُشير إلى ضرورة تصحيح الأجور + غلاء المعيشة إلى حدّ 70 و80%.

هذا واقعٌ لا يُمكن نكرانه! لكنّ القيّمين على النقابات العمالية وبحجة الدفاع عن مطالب العمال عمدوا إلى التصعيد المحق والسلبي في آن واحد لأنّ البعض منهم أخذ بالتفكير فيما بعد التقاعد.

في الوقت نفسه كان تعاطي الهيئات الإقتصادية سلباً إلى حدّ ما حيث لعبت دور المتفرج في المرحلة الأولى قبل أن تنتقل إلى الرافض للمشروع من دون إعطاء تبريرات. ولا نعرف ما إذا كانت النوايا ترمي الى تصعيد الأمور بين الحكومة والعمال أو أنها كانت تجهل التداعيات على الإقتصاد بحيث إنّ موقفها كان مبدئيّاً ضدّ زيادة الأجور لأنّ ذلك يُخفف الربحية.

إنّ السلسلة محقة ويتوجب على الحكومة التي هي الحكم وليست طرفاً، أن تعمد إلى الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه بالتسلسل تحت طائلة الإنتحار الإقتصادي (إقرار السلسلة) أو الإنتحار الإجتماعي (عدم إقرار السلسلة).

خريطة الطريق…

يجب على الحكومة الحالية وعلى رغم قصر عمرها الإفتراضي، أن تعمد إلى سحب مشروع السلسلة من اللجنة الفرعية لأنّ هذه الأخيرة لم تنجح في حلّ الملف. ثم على الحكومة تأليف فريق عمل تقني يضم بالدرجة الأولى وزارة الإقتصاد والتجارة، وزارة المال، وعدد آخر من الوزارات كوزارة العمل، ومصرف لبنان، والهيئات الإقتصادية، والنقابات العمالية. هذا الفريق وبمساعدة ودعم صندوق النقد الدولي، يقوم بدراسة الملف في فترة زمنية لا تتجاوز الشهرين على أن يُرفع التقرير وتوصيات اللجنة إلى مجلس الوزراء للبت بالموضوع على أساس الإجماع.

ضرورة التعاون بين كلّ المعنيين…

إنّ إقرار السلسلة، يتطلب التعاون والتنسيق بين الجهات التالية: الحكومة، الهيئات الإقتصادية والنقابات العمالية مع أخذ رأي إستشاري من مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي. لكن، وبما أنّ الملف خرج من يد الحكومة وأصبح بين أيدي مجلس النواب، فإنّ الإحتمال الكبير هو المزايدة بين الكتل النيابية نظراً إلى التأثير الكبير لهذا الملف في الإنتخابات. وبالتالي أن يقوم النواب بالتصويت على السلسلة في الهيئة العامة لتسجيل نقاط لدى ناخبيهم.

سيناريوهات…

من الواضح أنّ هذا العمل سيحاسب التاريخ عليه نظراً للضرر الذي سيخلفه على الإقتصاد، المالية العامة والثبات النقدي والذي سيؤدي بلا أيّ شك إلى فقدان القدرة الشرائية لدى المواطن.

وإذا كان الحساب يتم على أساس عدد الليرات التي تدخل في الجيوب، فإنّ العامل الأهم هو ما يمكن شراؤه بهذا العدد من الليرات! وللأسف سيتمّ ضرب هذه القدرة الشرائية لدى كل من يتقاضى أجره بالليرة اللبنانية. وبما أنّ الدول هي أول موظف مع عدد يُقارب الـ 280 ألف موظف، فإنّ النتيجة ستكون كارثية.

لا أحد يعلم إذا ما كان القيمون على موضوع السلسلة هم على وعي كامل للنتائج المترتبة أم أنهم يجهلون هذا الواقع. لذا المطلوب بشدة الفصل بين أحقية السلسلة التي لا يُمكن لأحد التشكيك بها وبين القدرة على تمويلها وتحمّل تداعياتها. من هذا المنطلق، نتمنّى على المجلس النيابي التروّي بالمشاريع التي تطال الشق المالي للدولة لأنّ مالية الدولة في حالة مزرية ودينها العام يُقارب الـ 64 مليار دولار ووضعها الإقتصادي في شبه ركود.

وفي الختام، يتوجب على هذه الحكومة التحلي بالجرأة وعدم إعتماد سياسة التسويات في تعاطيها مع الملفات الإقتصادية والإصلاحية. هذه الجرأة تكون بقول الأشياء بأسمائها وبإعتماد منهجية عملية في الخيارات الإقتصادية وليس الخيارات السياسية كما كان الحال في ملف المياومين الذي كان ملفاً سياسياً وإنتخابياً بإمتيار مع العلم أنّ طابعه إجتماعي وإقتصادي.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.