هل ينهار خط الدفاع الأخير عن الاقتصاد؟

0

على مر عشرين عاماً إستطاع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تأمين ثبات نقدي إكتسب من خلاله ثقة الأسواق والطبقة السياسية. لكن مع مشروع سلسلة الرتب والرواتب والتي تهدد الثبات النقدي، نرى أن خيارات حاكم مصرف لبنان أصبحت أكثر صعوبة. عشرون عاماً تقريباً مضت منذ إنتهاء الحرب الأهلية في لبنان، فترة أثبت خلالها حاكم مصرف لبنان صوابية السياسة النقدية المُتبعة. وحتى لو كان هناك بعض الملاحظات التي تطال فلسفة هذه السياسة، إلا أن التاريخ أعطى الحاكم الحق في إتباعها. وأساس هذه الخطة يعتمد على توافر السيولة وإحتياط عالٍ من العملات الأجنبية.

وعلى رغم الأحداث التي عصفت بلبنان خلال هذه الفترة من إعتداءات إسرائيلية إلى حروب داخلية مروراً بإنعدام الثبات السياسي، بقيت الليرة اللبنانية في الهامش المحدّد لها. وهذا يأتي من منطلق أن الإحتياطي من العملات الأجنبية والسيولة العالية لعبت دور عازل (Buffer) يمتص هذه الصدمات التي كانت تؤثر في الطبقة الخارجية للمعطيات الاقتصادية (Wrapper).

وقد دفعت الظروف التي مر فيها لبنان خلال هذه الفترة إلى تآكل المالية العامة، وزاد العبء على الخزينة مع تحمّل ثمن المصالحات الوطنية التي كانت ولا زالت تتم على حسابها. ومع نمو يُقارب الـ 1% لم يعد في مقدور الاقتصاد إمتصاص العجز الذي أخذ بالتحول تلقائياً إلى دين عام.

هذه العوامل الاقتصادية أدّت، أو بالأحرى ستؤدي، إلى لجم سياسة الثبات النقدي المُعتمدة من مصرف لبنان خصوصاً مع سلسلة رتب ورواتب لم يتم تأمين تمويلها بشكل كافٍ، وتداعياتها الاقتصادية كبيرة من ناحية التضخّم. هذا الوضع سيدفع مصرف لبنان إلى إستخدام إحتياطه من العملات الأجنبية والذي قد يذوب مثل الثلج في حال تم إستهداف لبنان من قبل الأسواق.

الأرقام المتوافرة على موقع مصرف لبنان وعلى موقع (fx-exchange.com)، تُظهر أن إحتياطي مصرف لبنان من الأصول الأجنبية يتعرض للضغط دفاعاً عن الليرة اللبنانية التي تعرضت لضغوطات في سعر صرفها (أنظر إلى الرسم)، خلال مناقشة اللجان لمشروع «السلسلة». وهذا إن دلّ على شيء يدل على تخوف الأسواق من التداعيات.

سلاح حاكم مصرف لبنان

أمام هذا الواقع الخطير، نرى أن إقرار السلسلة أو عدم إقرارها، سيترك تداعياته على الثبات النقدي. فماذا يملك حاكم مصرف لبنان من سلاح بين يديه؟ أهم سلاح يمتلكه حاكم مصرف لبنان هو دعم المؤسسات الدولية وفي طليعتها صندوق النقد الدولي إضافة إلى إحتياطٍ أجنبي (عملات أجنبية + ذهب + أصول أخرى) وصل إلى 45.7 مليار د.أ في آخر شباط 2014 بحسب موقع مصرف لبنان. وهناك الوديعتان السعودية والكويتية (1.5 مليار د.أ) والتي قد يستخدمها مصرف لبنان إذا ما إضطر إلى ذلك. هذه الأسلحة كافية لردع تدهور الليرة اللبنانية من هجمات محتملة من الأسواق (Arbitrage Opportunities).

غياب الإصلاحات

لكن هذه الأسلحة المتوفرة لن تكون فعالة على الأمد المتوسط إذا لم يكن هناك من إصلاحات للجم الفساد والهدر في مرافق ومؤسسات الدولة اللبنانية كما وإصلاحات ضريبية لتحفيز النمو الإقتصادي. ويبقى الهدر والفساد المُستشريين في قطاع الكهرباء العار الأول الذي يضرب الدولة اللبنانية يليه فقدان الدولة سيطرتها المالية على المرافق العامة.

من هذا المنطلق، وكما وذكرنا في مقال سابق، (الجمهورية بتاريخ 15 شباط 2014)، لا يجب أن نتوقع أن يأتي الحل من مصرف لبنان لوحده، لأن الاقتصاد يُشبه طاولة بثلاثة أرجل: السياسة المالية من مهام الحكومة، السياسة النقدية من مهام مصرف لبنان، والوضع الأمني والسياسي من مسؤولية الأحزاب.

أين سلسلة الرتب والرواتب من كل هذا؟

إن سلسلة الرتب والرواتب هي حق يجب إعطاءه لأصحابه، لكن هذا لا يجب أن يكون بأي ثمن ولا يجب شراءه بأصوات إنتخابية. من هنا نتوجه إلى الطبقة العاملة والمعنية أكثر من أي فئة أخرى بهذا الملف، لنطلب منهم التروي في هذا المطلب لأن إنهيار النظام المالي سيكون له تداعياته بالدرجة الأولى على هذه الطبقة. فأصحاب الأموال لن تتأثر بالقدر نفسه، وإستراتيجية شمشوم الجبار لن تُعطي مفعولها هنا.

إقرار هذه السلسلة يجب أن يتم بحسب الأصول، أي عبر تأمين مصادر تمويل حقيقية لها وتدارك تداعياتها التضخمية التي لن يستطيع مصرف لبنان مواجهتها في غياب الإصلاحات. لذلك يجب الضغط على الدولة لإجراء إصلاحات ونتمنى أن يكون العنوان الرئيسي لتظاهرة 29 نيسان المقبل المطالبة بالإصلاحات.

عوامل الخروج من الأزمة

أولاً، وضع خطة لمحاربة الفساد الذي وبحسب وصف روبرت كليت غارت هو إحتكار + سلطة – شفافية. وتكمن أسبابه الرئيسية في غياب الإدارة الرشيدة (إطار تشريعي غير ملائم، نظام قضائي غير فعال، عدم الشفافية…)، غياب سياسات محاربة الفساد، الضعف المؤسساتي لمؤسسات الدولة و/أو المؤسسات الخاصة، الأجور المنخفضة لبعض المراكز الحساسة، الثقافة المحلية. وللتذكير، يحتل لبنان المرتبة 127 من أصل 178 دولة على لائحة الفساد.

ثانياً، وضع قوانين تشريعية لمنع تضارب المصالح التي تظهر عند شخص له أكثر من مصلحة، مع وجود عوامل تُؤثر على رأيه بإتجاه إحدى المصالح على حساب المصالح الأخرى. ولا يُمكن الحديث عن تضارّب المصالح إلا ضمن منصب رسمي حيث تتضارب مصالح الشخص مع المصالح العامة في إطار المهام التي أوكلت إليه.

وفي فرنسا، تم تخطّي مشكلة تضارُب المصالح عبر وضع قانون يمنع على كل من يتعاطى الشأن العام بتعاطي الشأن الخاص مما يُعطي للشخص حرية في تقييم الوضع بكل موضوعية. وأكبر دليل على وجود تضارب في المصالح هو التقسيم المذهبي للإقتصاد حيث نجد شركات محسوبة بالكامل على أصحاب نفوذ تخدم مصالحهم.

ثالثاً، وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وهذا عامل أساسي في أخذ القرارات الصائبة. ففي العام 1970، قام العالم لورانس بيتر بوضع مبدأ سُمّي بمبدأ «بيتر» وينصّ على أن أنه تتم ترقية الأفراد في الهرم الوظيفي طالما أنهم يعملون بكفاءة عالية، إلا أنه عاجلاً أم آجلاً ستتم ترقيتهم إلى مركز وظيفي لا يستطيعون فيه تحقيق الكفاءة نفسها.

ويستمر الأمر على هذا النحو إلى أن «يأتي الوقت الذي سيكون فيه كل منصب وظيفي مشغولاً بموظف غير كفوء». ومن أهم الأضرار على الإقتصاد اللبناني والناتجة عن عدم كفاءة الأشخاص، تفويت الفرص والتي، بحسب النظرية الإقتصادية، هي خسارة على الإقتصاد.

في الختام، ومع قيامة السيد المسيح، نتمنّى أن يُبعد عن لبنان هذه الكأس.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.