ثلاثية الإستهلاك والإستثمار والإصلاحات

0

تشير التقارير الوافدة من مراكز البحوث الإقتصادية الى مؤشرات إقتصادية سلبية وأرقام تعيسة عن المالية العامة. وإذا كان الوضع قاتماً فعلاً، فإن الحلول سهلة وتحتاج إلى قرارات بسيطة لكي يتحوّل مجرى الإقتصاد اللبناني. على رأس هذه الحلول ثلاثية الإستهلاك والإستثمار والإصلاحات.  تعكس آخر أرقام الاقتصاد اللبناني والتي تعود إلى مطلع هذا العام، هشاشة الوضع السياسي اللبناني. فعلى الرغم من الإنجاز الذي حققته الطبقة السياسية بتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أنها فشلت في الاتفاق على المسلمات الوطنية وعلى رأسها الجبهات الإستراتيجية التي تُشكل البوصلة لعمل الحكومة.

كما أن ربط القرارات الاقتصادية بالظروف السياسية الراهنة، له أثر كبير في الحالة الاقتصادية الحالية. إذ لم تتمكن الطبقة السياسية من إسناد الشق الاقتصادي إلى خبراء من كافة الفئات قادرون على رسم إستراتيجية إقتصادية تُحدد ماهية الاقتصاد اللبناني على عشرات السنين الآتية.

وقد أثبت التاريخ أن الإنفرادية في القرارات الاقتصادية لفريق سياسي، لا تعطي النتائج المرجوة على الرغم من إمتلاك هذا الفريق النية والمعطيات. وكل خطة نهوض بالإقتصاد الوطني ستصطدم بعقبة إذ لم يكن هناك من شراكة فعلية لمكونات الوطن من طوائف وأحزاب وهيئات وغيرها.

من هذا المنطلق، نرى ضرورة إعتماد خطة إقتصادية أساسها وزارة الاقتصاد بالإشتراك مع الهيئات الاقتصادية والنقابات العمالية وتتم ترجمتها في وزارة المال بمشروع موازنة على خمس سنوات.

وأساس هذه الخطة الاقتصادية ثلاثية الإستهلاك والإستثمار والإصلاحات، والتي تُشكل أساس المعايير الدولية لإقتصاد مرن يُمكنه مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي تعصف بلبنان. فالإقتصاد مبني على مقومات (Infrastructure) تُؤمن حُسن عمل الدوافع الاقتصادية (Vehicles).

والمقومات مقسومة إلى قسمين: المقومات المادية كالبنية التحتية والمقومات غير المادية كالقوانين. أما الدوافع فترتكز على الإستهلاك والإستثمار. وما بين الإثنين هناك الإعدادات كسلسلة الرتب والرواتب التي تلعب دوراً مهماً في تناغم المقومات والدوافع.

الإستهلاك…

أهمية الإستهلاك تبرز في عدة أمثلة أهمها الولايات المتحدة الأميركية التي يعتمد إقتصادها على الإستهلاك بنسبة 75%. وفي لبنان لعب الإستهلاك دوراً مهماً في النمو الاقتصادي الذي شهده لبنان في السنين الماضية، فقد زاد المعدل الوسطي الإستهلاكي السنوي للأسر من 12,764 د.أ في العام 2004 إلى 20,749 د.أ في العام 2012.

كما أن إنفاق الدولة زاد ليصبح 32.1 نسبة إلى لناتج المحلي الإجمالي في العام 2013 بعدما كان 31.4 في الـ 2012 و29.1 في الـ 2011. كل هذا يدل على أن حجم الإستهلاك هو حجر أساس في النمو الحالي في لبنان وأنه بلغ دراجات عالية نسبة إلى مدخول الفرد.

إذا كيف يُمكن زيادة الإستهلاك؟ إن زيادة الإستهلاك في هذه الحالة ممكنة عبر القنوات التالية:

– خفض الضريبة على القيمة المضافة، لكن هذا الإحتمال له عواقب وخيمة على مدخول الخزينة؛

– إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وهذا الإحتمال سيزيد التضخم وبالتالي سيقتل القدرة الشرائية؛

– مراقبة الأسعار وتحفيز المنافسة الحرة، وهذا الإحتمال هو واقعي جداً من ناحية أن لا عواقب مالية له على خزينة الدولة؛

– وضع قانون لسوق العمل يُحدد نسبة العمالة الأجنبية في السوق اللبناني (30% كحد أقصى في بعض القطاعات) كما وسياسة ضريبية لتحفيز الشركات على خلق فرص عمل جديدة (مثلاً إعفاء الشركة من الضرائب خلال سنتين في حال عمدت إلى خلق 5 فرص عمل جديدة)، وهذا ما سيدفع العاطلين عن العمل إلى الحصول على عمل وبالتالي زيادة الإستهلاك؛

الإستثمار…

لا نمو إقتصادي بدون إستثمارات، هذه هي القاعدة الأساسية في الاقتصاد. والإستثمارات تنقسم إلى قسمين العامة والخاصة. وتهدف الإستثمارات العامة إلى تدعيم البنية التحتية اللازمة لإستثمارت القطاع الخاص كما أن لها فوائد أخرى من ناحية تحفيز الطلب في حال الركود الاقتصادي.

وكما هو معروف، فإن خزينة الدولة اليوم لا تسمح القيام بإستثمارات خصوصاً في القطاع العام الذي بات بأشد الحاجة إلى إستثمارات (الكهرباء، الاتصالات، المياه، النفط…).

لذا من الضروري السعي وراء الشراكة مع القطاع الخاص. وتحفيز الإستثمار يتم عبر:

– إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛

– إقرار سياسة ضريبية لتحفيز الإستثمار وخاصة في المناطق الحدودية؛

– العمل مع مصرف لبنان والمصارف التجارية لتسهيل الحصول على قروض على نفس النمط الذي بدأ به مصرف لبنان لكن برقعة أوسع؛

– تسهيل المعاملات الإدارية لخلق شركات جديدة والتصريح عن الضرائب… وذلك عبر الإنترنت (e-government)؛

– تسهيل معاملات الإقامة للأجانب الراغبين الإستثمار في لبنان؛

– الحصول على دعم صندوق النقد الدولي من خلال قروض لمشاريع بنيوية؛

الإصلاحات…

من المعايير المعتمدة لتقيم إقتصاد معين، المُرونة والقدرة على إستيعاب الصدمات، من هنا تأتي أهمية الإصلاحات. وعلى هذا الصعيد، تأتي الإصلاحات الهيكلية كأساس للإصلاحات في لبنان والتي تحتوي على إصلاحات إقتصادية.

ففي إطار الإقتصادات المفتوحة والعولمة، هناك أهمية مطلقة لتحسين أداء الاقتصاد اللبناني ومرونته وتطوير التكنولوجيا وبدء إعتماد إقتصاد المعرفة. كل هذا يتطلب إصلاحات هيكلية على المدى الطويل تسمح بتحسين وضع المالية العامة. وهذه الإصلاحات ستسمح للإقتصاد اللبناني بالتأقلم والتناغم مع الإطار العالمي.

ومن الإصلاحات الهيكلية الممكنة في لبنان:

– الإصلاحات الإدارية التي تطال كل وزارت الدولة ومؤسساتها العامة؛

– الإصلاحات التي تطال التدريب المهني والمتواصل؛

– الإصلاحات التي تطال السياسية الضريبية التحفيزية؛

– الإصلاحات في المالية العامة للجم العجز والدين العام. وهذا النوع من الإصلاحات التي تعتمدها أوروبا، تهدف إلى زيادة قدرة النمو المحتمل؛

– مكافحة الفساد في كل مؤسسات الدولة كما وفي القطاع الخاص (مثلاً ممنوع إعطاء هدية للعميل بأكثر من 200 د.أ سنوياً)؛

– بسط سلطة الدولة المالية على المرافئ العامة حيث العدر والفساد؛

– تخفيف الأعباء الاجتماعية (Charges Sociales)؛

– زيادة المنافسة في بعض القطاعات التي تتميز بالإحتكار أو الـ Oligopoly؛

– إدخال مبدأ الإدارة الشاملة للجودة (Total Quality Management) إلى كل إدارات الدولة كما وإلى القطاع الخاص، لما لهذا المبدأ من تداعيات إجابية على أداء المؤسسات؛

وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن إجراء إصلاحات إقتصادية (تقليل البطالة، زيادة الدخل الفردي، تقليل الفرق في الدخل في المجتمع…) هو أمر صعب على الدول من ناحية أن بعض الإصلاحات قد تدفع الشعب إلى الإحتجاج والتظاهر كما هي الحال الأن في اليونان وإسبانيا وغيرها.

في الختام، نرى أن معظم الإجراءات التي وردت في الثلاثية السابقة الذكر، لا تتطلب أي مجهود أو تنازلات سياسية، بل هي إقتصادية وإدارية بحت وتتعلق بالشق التقني التي يُمكن إسناده لخبراء إقتصاديين.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.