خطر إفلاس الدولة لم يعُد مجرّد وهم

0

العجز المالي في لبنان مُزمن والى تفاقم سنةً بعد سنة. وهو بدأ يتحوّل تلقائياً إلى دين عام. والأرقام الإقتصادية تُظهر أنّ الميزان الأولي، الذي يعكس أداء الحكومة، بدأ يُظهر عجزاً. فهل بدأت تلوح في الافق بوادر الإفلاس؟ قد يظن البعض أنّ عنوان المقال تشاؤمي خصوصاً وأنّ وكالة التصنيف الإئتماني ستندارد أند بورز رفعت حديثاً تصنيف لبنان الإئتماني من سلبي إلى مستقرّ.ولنحاول معاً دراسة عدد من المؤشرات الإقتصادية.

أول هذه المؤشرات هو الميزان الأولي الذي يدل الى الوضع المالي للدولة قبل إحتساب خدمة الدين العام، وهو أساسي يشير أيضاً الى التوازن المالي فيها بلحظة معينة عبر حذف الثقل المالي للسنين الماضية.

ويُستخدم بشكل أساسي في النظرية الديناميكية للدين العام لمعرفة الميزان المالي للدولة بهدف تثبيت أو خفض الدين العام. وبالتالي يُستخدم كمقياس «لإستدامة» هذا الدين، وهو أحد العوامل التي تتحكم في تغيرات الدين العام على الناتج المحلي الإجمالي.

من المهم معرفة أنّ الإقتصاد يُميّز نوعين من العجز: العجز الهيكلي الناتج عن هيكلية الإقتصاد، والعجز الدوري الناتج عن وضعية الإقتصاد في الدورة الإقتصادية (output gap). ويتمّ إحتساب العجز الهيكلي عبر تنقيص العجز الدوري من العجز الكلي.

لكن ما علاقة العجز العام بالدين العام؟ إنّ ميزانية الدولة تكون في عجز عندما يكون الميزان الأولي غير كافٍ لدفع خدمة الدين العام ما يؤدي إلى إرتفاعه. وهذا له تأثير كبير في الإقتصاد إذ إنّ هذا العجز يدل الى إدارة سيئة للمال العام، يحرّم الإقتصاد من هذا المال وبالتالي يمنع نموّه بنسب تفوق نسبة الفائدة على الدين العام. وكما يُقال في الإقتصاد، «فإنّ دين اليوم هو ضرائب الغد» ما يعني أنّ اللبناني سيمدّ اليد الى جيبه في السنين القادمة (ولا خيار له في ذلك).

من هذا المُنطلق، يعتمد صندوق النقد الدولي على الميزان الأولي وعلى العجز الهيكلي في سياساته الإصلاحية التي يفرضها على البلدان التي ترزح تحت دين عام كبير نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.

الواقع اللبناني مؤلم…

وفي لبنان فإنّ تطور الميزان الأولي لا يُبشر بالخير. فبعد أعوام عدة من النمو الهائل لم يستطع الميزان الأولي الصمود أمام الأزمة السورية والتي ومع بدايتها، سجل هذا الميزان عجزاً بقيمة 156 مليار ليرة في العام 2012 و361 مليار ليرة في العام 2013. ولكن قبل كل شيء يجب معرفة أنّ الميزان الأولي، حتى عندما كان إيجابياً، لم يكن يكفي لدفع خدمة الدين العام وهذا ما يُفسر إرتفاع الدين العام وخصوصاً في العامين الماضيين بنسبة كبيرة.

والحكاية لا تنتهي هنا، فبالنظر إلى إجمالي العجز العام الذي هو الفرق بين إجمالي الإيرادات وإجمالي الإنفاق (للتذكير هذا الرقم سلبي في حالة لبنان، لكن يظهر على الرسم إيجابي)، نرى أنّ هذا العجز يزيد يوماً بعد يوم وذلك منذ العام 2011 (أي مع بداية الأزمة السورية). لكنّ الأصعب في الأمر، هو تحوّل هذا العجز إلى دين عام وبشكل مُقلق.

فمثلاً، زاد الدين العام في العام 2011 بنسبة 3 ألاف مليار ليرة. وعندما زاد إجمالي العجز في العام 2012، زاد معه الدين العام بشكل أكبر وكذلك هي الحال في العام 2013. وقد يظن البعض أنّ لا علاقة ميكانيكية بين الإثنين، إلّا أنّ النظر إلى الرسم يشير الى العكس (العلاقة واضحة جداً).
كل قرش يُصرف، سيكون ديناً على لبنان…

كلّ هذا يأخذنا إلى الإستنتاج التالي: إنّ الدين العام سيستمرّ بالإرتفاع حيث، نتوقع أن تبلغ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في العام 2014 بحدود الـ 160% و175% في العام 2015. وإذا ما إستمرّ الوضع على هذه الحال، فإنه وبغضون سنوات عدة سيُقارب إجمالي العجز الإيرادات ما يعني أنّ كل قرش ستعمد الدولة إلى صرفه بعد ذلك، سيكون بواسطة الإستدانة!

ما هي الحلول المطروحة؟

للأسف ليس هناك من خيارات كثيرة، فإما نبقى على هذه الحال حتى الإفلاس وعندها سيأتي المجتمع الدولي لمساعدتنا وفرض إصلاحات شبيهة بتلك المفروضة على اليونان، أو نعمد نحن بخيارنا أن نقوم بهذه الإصلاحات التي، ولا يخفى على أحد، ستكون مؤلمة لكن بنسب أقل بكثير مما قد يفرضها علينا المجتمع الدولي.

وهذه الإصلاحات تبدأ:

أولاً: بلجم الفساد والهدر المُتفشي في جسم الدولة وفي القطاع الخاص. وهذا الفساد هو مرض الأمراض ولا يُمكن للدولة النهوض إلّا بمحاربته. ويُمكن تشبيه هذا الفساد بالعدوّ الذي لا بدّ من مقاومته بشتى الوسائل.

ثانياً: فرض سلطة الدولة المالية على كل الأراضي اللبنانية من أملاك بحرية إلى مرافئ عامة مروراً بجلب مستحقات الدولة من ضرائب وفواتير لا يدفعها أصحاب العلاقة.

ثالثاً: وقف الإنفاق غير المجدي ووضع موازنات تقشفية إذ لا يُعقل أن نستمرّ في الصرف على الوتيرة نفسها وديننا العام يزيد.

رابعاً: وقف المزايدات في الشق الإجتماعي، فكلنا يعلم أنّ لا قدرة للدولة على تحمل المزيد. وسيأخذ كل مواطن حقه في اللحظة التي يتم فيها وقف الفساد.

خامساً، وضع خطة إقتصادية للنموّ الإقتصادي وإستراتيجية إنمائية هدفها النقلة النوعية للنموّ عبر هيكلة الإقتصاد اللبناني بطريقة ذكية تأخذ في الإعتبار القطاعات الواعدة بما فيها قطاع النفط والقطاع الرقمي.

سادساً: تقوية القضاء اللبناني ومنع التدخل السياسي فيه عبر مشروع «اليد النظيفة» على الطريقة الإيطالية.

سابعاً: تقوية ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي وتوسيع رقعة سلطتهما ليطالا الأسلاك التي تتمتع بحصانة.

ثامناً: دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية لكي تمنع الخلل بالأمن والضرب بيد من حديد لكل من يتطاول على هيبة الدولة ويُخلّ بأمنها.

وفي الختام، لا يُمكن للدولة أن تلجم الدين العام وتتفادى الإفلاس إلّا إذا تخطت نسبة النموّ الإقتصادي نسبة الفائدة على الدين العام. وسيستمرّ الدين العام بالإرتفاع طالما أنّ مجموع العجز الأولي وخدمة الفائدة أعلى من النموّ.

وإذا لم يتم إجراء الإصلاحات المطروحة أعلاه فلا أمل في أيّ علاج حتى ولو كان هذا العلاج هيكلة القسم اللبناني من الدين العام (أي التابع للمصارف اللبنانية) لأنّ الدين العام سيرتفع من جديد.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.