روسيا تهددّ أوروبا والسبب… إقتصادي

0

قامت مجموعة من الطائرات العسكرية الروسية بمناورات عسكرية في الأجواء الأوروبية. هذا الحدث الذي ينطوي على أبعاد خطيرة من ناحية عدد الطائرات والمدى الذي شملته المناورات، لا يُمكن أن يكون إلّا لأهداف إقتصادية بحتة نظراً الى الكوارث التي قد تنتج عن مواجهات عسكرية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. في بيان له نهار الأربعاء الماضي، أعلن حلف شمال الاطلسي أنّ راداراته رصدت 4 مجموعات من الطائرات التابعة لسلاج الجو الروسي في الأجواء الأوروبية.

وذكر الناتو في تصريحه أنّ هذا النشاط ليس الأول من نوعه، لكن المُلفت هو حجم هذا النشاط إذ إنّ عدد الطائرات بلغ 8 طائرات فوق بحر الشمال، 4 فوق البحر الأسود، 7 فوق بحر البلطيق، و7 طائرات منطاد فوق الحدود مع ليتوانيا – أي 26 طائرة في ظرف يومين. وهذا الأمر إعتبره حلف شمال الأطلسي على لسان أمينه العام الجديد جنز ستولتنبيرغ محاولةً روسية لتجربة أنظمة دفاع الناتو.

وقال الحلف إنّ عدد عمليات الإعتراض التي قام بها حلف شمال الأطلسي هذا العام تجاوزت الـ 100 عملية لطائرات عسكرية روسية كانت تقترب من الأجواء الأوروبية أيْ بزيادة 3 أضعاف عن عدد العمليات في العام 2013.

لكنّ الخطير في هذه العملية هو إستخدام روسيا لطائرات من نوع قاذفات استراتيجية ومقاتلات وطائرات التزود بالوقود، كذلك فإنّ هذه العملية غطت شمال أوروبا (بحر الشمال والبلطيق)، شرق أوروبا (الحدود مع ليتوانيا) وجنوب شرق أوروبا (البحر الأسود). وهذا الأمر أدّى إلى إستنفار سلاح الجوّ البريطاني، النروجي، الألماني، اللينواني، والتركي إضافة إلى سلاح جوّ حلف شمال الأطلسي.

هل فعلاً هناك نيّة لروسيا بإفتعال حرب مع الناتو… لا شك أنّ الوضع الاقتصادي الروسي لا يسمح، كذلك إقتصاد دول أوروبية عدة، بخوض حرب على هذا المدى. ففتح جبهات تبعد عن بعضها البعض 2500 كيلومتر يحتاج إلى موارد مالية طائلة تعجز عنها الدول بما فيها الولايات المُتحدة الأميركية نظراً لوضعها الاقتصادي.

من هنا نرى أنّ العملية الروسية تحمل في طياتها ثلاثة سيناريوهات:

أولاً: عملية إختبار لأنظمة الدفاع الأوروبية وإعادة تموضع إستراتيجي لأسلحة الدمار الشامل بهدف الردع. وهذا السيناريو الذي نستبعده، يعني أنّ في نيّة روسيا فتح حرب لا يستطيع إقتصادها اليوم تحمله.

ثانياً: عملية تهدف إلى إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى خلق مشكلات في دول أوروبا الشرقية كليتوانيا وبولونيا خصوصاً تلك المحاذية لحدود روسيا وفيها أقلية من أصل روسي والتي لها عداء تاريخي أيضاً معها، وبالتالي كانت من أولى دول أوروبا الشرقية التي إنتفضت بوجه الإتحاد السوفياتي.

ثالثاً: عملية تهدف إلى ردع الأوروبيين عن المضي بالعقوبات عبر إظار الوجه الشرير لروسيا وإقناعهم أنه من الأفضل العيش بجانب روسيا من دون معاداتها. وهذا الأمر هو نتيجة طبيعية للعقوبات الاقتصادية على روسيا والتي بدأت تُعطي مفعولاً نلاحظه من خلال تدهور الاقتصاد الروسي والروبل.

لذا ومما تقدم لا يُمكن إعتبار هذه العملية عملية عسكرية بأبعاد عسكرية محض بل إنّ هدفها الأول إقتصادي لأنّ روسيا تعرف مسبقاً أنّ الأوروبيين أصبحوا مسالمين لما تركت الحرب العالمية الأولى والثانية من ذكريات مؤلمة تمّ تناقلها بأمانة في كتب التاريخ لهذه الشعوب.

والسؤال المطروح هو كيف تنوي روسيا الإستفادة إقتصادياً من هذه العملية؟ في الحقيقة منذ بدء الأزمة الأوكرانية، وروسيا تُحاول فرض نفسها كلاعب أساس في هذه الأزمة لا يُمكن تخطيه. وإذا كانت روسيا قد ضمّت شبه جزيرة القرم التي تفتقد إلى كل مقومات الاقتصاد، فالسبب الأساس هو البوابة على البحر الأسود ما يسمح لها بتموضع عسكري إستراتيجي.

وكان رد الولايات المُتحدة الأميركية والأوروبية بفرض عقوبات إقتصادية تصاعدية على رغم إنقسام الدول الأوروبية في بداية الأزمة. وكانت روسيا تظنّ أنّ قطع الغاز عن أوروبا سيدفع هذه الأخيرة إلى التراجع.

إلّا أنّ الوضع الاقتصادي العالمي وقلة الطلب على المحروقات خفضّ التعلق بالغاز الروسي. كذلك فإنّ أزمة الغاز التي إندلعت بين أوكرانيا وروسيا في العام 2009 والتي أدّت الى وقف مئات المصانع الأوروبية عن العمل وحرمت ملايين الأوروبيين من التدفئة في الشتاء القارس دفع بحكومات هذه الدول إلى البدء بالبحث عن بديل للغاز الروسي وهذا ما تمّ فعلاً عبر مشاريع مدّ أنابيب جنوب أوروبا مروراً بتركيا ما يفتح الباب لدول آسيوية وعربية كثيرة لتغذية أوروبا بالغاز. هذا وظاهرة الغاز الصخري خلقت أمالاً جديدة مع البدء بإستخراج هذا النوع من الغاز في بعض الدول الأوروبية.

هكذا نستنتج أنّ روسيا لن تستطيع فرض عقوبات إقتصادية على أوروبا عبر حرمانها من الغاز خصوصاً أنّ الصناعة الروسية التي إفتقدت خلال عقدين إلى الإستثمارات – أي منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي – أصبحت في حاجة إلى التكنولوجيا الأوروبية.

من هنا فكرة روسيا بخلق نوع من الخوف لدى الأوروبيين عبر عمليات عسكرية ضخمة تُظهر فيها قدرتها العسكرية بهدف ردع الأوروبيين عن المضي في عقوباتهم عليها خصوصاً نقل التكنولوجيا الذي يبرز إلى العلن حاجة الاقتصاد الروسي لها.

ولم تفلح الإتفاقات مع الصين في مجال التعاون تكنولوجياً مقابل النفط والغاز في تخفيف التعلق الروسي بالتكنولوجيا الأوروبية وهذا يعود إلى قلة الطلب العالمي على المنتجات الصينية مع الركود الحاصل في الاقتصاد العالمي. وهذا الأمر أدّى إلى خفض الصين إستيرادها للنفط والغاز من روسيا وبالتالي إنخفضت معها المداخيل المالية ما نتج عنه تدهور الروبل الروسي.

في الختام لا يُمكن إلّا الوقوف عند ظاهرة خطر الأسلحة النووية التي وبسبب عمرها أصبحت بحاجة شديدة إلى عمليات إتلاف تُكلف ملايين الدولارات للصاروخ الواحد.

واليوم ومع الوضع الاقتصادي الحالي ومع تجميد معاهدات خفض أسلحة الدمار الشامل (START)، تظهر إلى العلن مشكلة تمويل إتلاف هذه الصواريخ التي أصبحت تُهدّد العالم. فهل يُمكن القول إنّ روسيا أصبحت تعي هذه المخاطر وبعمليتها الأخيرة تقوم بعمل يائس لإنعاش إقتصادها الكهل؟

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.