الحرب الإقتصادية وأهدافها الخفية

0

هيمن على البشرية عدد من موازين القوى الإقتصادية المعروفة كالكفاح من أجل العيش، الإستعمار، الإستعباد، إحتلال البلدان، المنافسة الإقتصادية والمواجهات الجيوإقتصادية، التي أدّت إلى ترسيخ هذه القوى كقوانين غير موجودة في الكتب الأكاديمية. ويعود السبب الأساسي لعدم وضعها في المناهج التعليمية إلى النية في إخفاء أهداف المواجهات الإقتصادية. فما هي حقيقة هذه المواجهات وما هي أهدافها الخفية؟ في البدء كانت كلمة، وكلمة “حرب إقتصادية” أصبحت حقيقة في العلاقات الدولية لها تأثيرها على الحياة اليومية للإنسان. والعلاقات الخارجية بدأت كعلاقات جيوسياسية بين الدول ومن ثم تطورت لتُصبح علاقات جيوإقتصادية.

مع إنتهاء الحرب الباردة، التي كانت أساس السعي إلى القوة، بدأ ظهور أقطاب عدة من المخاطر والمواجهات على مصادر الطاقة مبرّرة بضعف الصناعة في البلدان المتطورة، ورغبة هذه الدول في غزو العالم تجارياً مما أعطى العلاقات الدولية منحى جديداً من الصراع الإقتصادي الذي كان يتطور إلى صراع عسكري في بعض الأحيان.

مبادئ تأسيسية للحرب الإقتصادية

مرّ تاريخ الإنسان بمرحليتن أساسيتين : المرحلة الأولى التي إمتدت حتى الثورة الصناعية ركزت على “إعطاء الأولوية للبقاء على قيد الحياة”. أما المرحلة الثانية التي جاءت بعدها، فقد حملت عنوان “الخيار بين الحياة المستقرة والبدوية”.

تحتل مسألة الموارد حالياً المركز الأول في تطور الحضارات. وإذا كانت الحاجة الى هذه الموارد بدائية في البداية، إلا أنها تطورت مع تطور الوقت وأدّت إلى خلق آلية مواجهة إقتصادية معقدة تمثلت بالقرصنة التي أصبحت تُشكل رافعة إقتصادية هائلة.

وحماية الموارد الموجودة ضمن حدود الدولة أُعتبر أولوية إستراتيجية لبعض الدول في القرن السابع عشر. وأتى الإستعمار كإمتداد لهذا المبدأ خالقاً بذلك ديناميكية معقدة للمواجهات بين الدول. والأرباح التي نتجت عن الإستعمار دفع بعض الدول العظمى إلى مواجهات عسكرية بين بعضها البعض وبدأ العالم يشهد ما يُسمّى السيطرة على الطرق التجارية وحمايتها.

تداخل الحرب والاقتصاد

أدّت الحروب التي إمتدت بين العام 1700 و1815 إلى خلق تحالفات وأقطاب مضادة بهدف حماية الموارد ودفع بعض الدول إلى محاصرة الدول الأخرى (بريطانيا وفرنسا) الأمر الذي أرخى بثقله على الإقتصاد.

هذه المواجهات الإقتصادية أثرت بشكل أساسي على منحى المواجهات التي أصبحت عسكرية وبذلك أصبحت الحرب الإقتصادية موجودة على نطاق عالمي بعدما كانت على نطاق محلّي بين عشائر وعائلات. هذا التداخل بين المواجهات الإقتصادية والعسكرية خلق لأول مرة في التاريخ آليات تمدّد المواجهات الإقتصادية مع الوقت (حرب وسلم). مثلاً، خلق نابوليون نظام دفاع إقتصادي تمثل بحظر المنتوجات البريطانية في فرنسا وسخّر القوى العسكرية لمراقبة هذا الحظر.

وأدّت الحرب بين بريطانيا وفرنسا إلى إضعاف إقتصاد الدولتين مما دفع البريطانيين إلى إرسال محاورين لخلق تعاون تجاري بين الدولتين وكسر الحظر على البضائع. ومن هنا نشأ الصراع الأيديولوجي بين الدول العظمى وأصبحت المواجهة على صعيد فكري يُحدّد موازين القوى الإقتصادية بين هذه الدول.

وأدّت الحرب العالمية الأولى إلى تكريس مبدأ عسكرة الإقتصاد. والدليل على هذا، الرسالة الشهيرة للملحق العسكري الأميركي في باريس بُعيد إنتهاء الحرب العالمية الأولى والذي تحدث فيها على أهمية محاربة العدو ليس فقط على الصعيد العسكري، إنما أيضاً على الصعيد الإقتصادي عبر الإستيلاء على موارد إقتصاده. وهنا نشأ في العالم ما يُسمّى بالغزو الإقتصادي.

التبرير الجيوبوليتيكي للغزو

بدأ الغزو الإقتصادي في القرن التاسع عشر عبر زرع مستعمرات. ولكن على عكس الغزو العسكري، فإن الغزو الإقتصادي يرفع من أهمية الدولة وقوتها عبر زيادة تأثير هذه الدولة على باقي الدول. وبكل بساطة، يُمكن القول أن الغزو الإقتصادي يستطيع أن يُحقق ما يعجز عن تحقيقه الغزو العسكري عبر خلق “فضاء أساسي” للدولة يمتد أبعد من حدودها. وهذا المحور كان موضوع نقاش في عهد هتلر: الفائدة الإستراتيجية من الغزو العسكري مقارنة بالغزو الإقتصادي.

تمويه الحرب الإقتصادية

أخذت هيمنة الحقيقة الإقتصادية، منذ قديم الزمن مروراً بالثورة الصناعية إلى عصرنا الحاضر، اتجاهاً ثابتاً في العلاقات بين الدول الكبرى، وفي تحديد موازين القوى. وفي قول شهير للإستاذ الجامعي إدوارد إيرل : لا فصل بين القوة الإقتصادية والقوة العسكرية إلا في المجتمعات البدائية. ففي عصرنا الحاضر، توسعت الحضارة الأوروبية لتنتشر في كل دول العالم وهذا ما طرح أسئلة حول مصير الهيمنة الإقتصادية وتشابكها مع الهيمنة العسكرية.

ولكن الأصعب يبقى الطريقة التي تظهر فيها هذه الهيمنة والتي تأخذ كل الأشكال (إجتماعية….) إلا الهيمنة الإقتصادية. وهذه الأخيرة تشكّل حجر الأساس في الحرب الإقتصادية عبر محاولة القوى العظمى إنشاء مناطق تبادل تجاري حر حولها لقطع الطريق على العدو (حالة روسيا مع الدول المحيطة بها). ومن بين الأشكال التي تظهر بها الهيمنة الإقتصادية، هناك العامل الديني المذهبي الذي يسمح لدولة تحت شعار الوحدة الدينية بالهيمنة على إقتصاد بلد منطقة (قريبة أو بعيدة).

تغيير خيارات الحرب

أخذت سياسات الهيمنة الإقتصادية التي قامت بوضعها الدول العظمى أيام الإستعمار، بالتحوّل تحت تأثير التفوّق الجيوسياسي، العسكري والتجاري كالولايات المتحدة الأميركية التي فرضت على العالم نموذجا جديدا والذي ينصّ على أن دولة عظمى تُريد فرض هيمنة تبحث عن أفضل تموضع ممكن ضمن هيكلية القيم الأخلاقية، القوانين وقانون الأسواق. هذه الطريقة لتطويق الهدف تستدعي طريقة تفسير لهذه المواجهات الإقتصادية الصامتة التي فرضتها الولايات المتحدة في أيام السلم والحرب.

ولكن نهوض الإقتصاد الأصفر (آسيا) فرض قواعد جديدة تقوم على الأمن الإقتصادي. وهذا ما فرض وضع سياسات تضمن هذا الأمن الإقتصادي وتسمح بالحفاظ على المستوى الحالي وبنفس الوقت تأمين الإستمرارية. وأصبح هناك بلوكات مؤلفة من صديق-منافس تتنافس فيما بينها بشكل متواصل على مرّ الثواني. هذا التنافس سيأخذ أبعاداً كبيرة مع إضمحلال الموارد والتحديات التي يخضع لها العالم في هذا القرن.

الخاتمة

لذا، ومما تقدّم، نرى أهمية المواجهات الإقتصادية بين الدول التي تُفسّر إلى حد بعيد الأحداث في عالمنا الحالي. كما ونرى صعوبة إعادة صياغة قوانين جديدة في ظل وجود لاعبين عمالقة كالولايات المُتحدة الأميركية. مما يعني أننا سنعيش في ظل هذا النظام لفترة طويلة.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.