أوجاع الإقتصاد اللبناني..العلّة والدواء

0

يعاني الإقتصاد اللبناني منذ بداية الحرب الأهلية من عدة أمراض بدأت تأخذ طابعا مزمنا قد يودي بحياة هذا الإقتصاد. وآخر الفحوصات التي قامت بها وكالة التصنيف الإئتماني موديز تُشير إلى أن الوضع الإقتصادي في حالة تردّي. فما هو تشخيص حالة هذا الإقتصاد وما هو الدواء الواجب وصفه؟ من المعروف أن الإقتصاد يستند الى عامودين أساسيين : الإستهلاك والإستثمار. وينصّ إحتساب الناتج المحلي الإجمالي، مؤشر الإقتصاد الأساسي، على جمع هاتين الكمّيتين كما يلي: الإستهلاك + الإستثمار (رأس المال التابث) + التغيرات في التخزين + الصادرات – الواردات.

هذه المعادلة تسمح بحساب المبلغ الذي ينتجه البلد سنوياً (الناتج المحلي الإجمالي). والإستهلاك + الصادرات تُعطي ما يُسمّى بالطلب الداخلي (الإستهلاك) والخارجي (الصادرات).

لذا نستنج أنه كلما زاد الإستهلاك والإستثمار زاد الناتج المحلي الإجمالي بشكل خطي (Linearly). وهاتان الكميتان ليستا مستقلتين عن بعضهما البعض، فالإستثمار يسمح بخلق فرص عمل تتطلب توظيف عمال، ممّا يعني زيادة المدخول الفردي بما يعني زيادة الإستهلاك.

هذه العلاقة الأخيرة، أي المدخول الفردي والإستهلاك، وجدت تفسيرها في علم النفس حيث أن الإنسان بما أنه لا يعرف متى سيترك هذا العالم، يعمد إلى الإستهلاك خوفاً من الموت دون تذوق ملذات الحياة.

وللتأكد من هذه العلاقة بين الإستهلاك والإستثمار من جهة، والناتج المحلي الإجمالي من جهة أخرى، عمدنا إلى رسم الناتج المحلي الإجمالي، الإستهلاك الخاص (أي الناتج عن المستهلك) ورأس المال الثابت مع تغير المخزون.

ونرى أن منحنى الناتج المحلي الإجمالي يتغير بشكل خطي مع الإستهلاك والإستثمار ممّا يظهر بشكل واضح أهمية الإستهلاك والإستثمار بالنسبة إلى النمو (مصدر المعلومات Economic Accounts of Lebanon).

وبذلك نستنتج أنه لتحقيق النمو يجب زيادة الإستثمار لأن ذلك يؤدي الى النتائج التالية:

أولاً: خلق فرص عمل للمواطن اللبناني، وبالتالي زيادة قدرته الشرائية بما يزيد الإستهلاك. ودفع الإستهلاك عبر القروض لا يُعطي الغاية المنشودة بل هو طريقة لخلق ديناميكية في إقتصاد يكون فيه الإستثمار قوياً، وهناك مشكلة معينة في الإستهلاك.

ثانياً: تقوية هيكلية الإقتصاد اللبناني عبر تنويع الإستثمار في مختلف القطاعات ممّا يخفف التعلق بقطاع الخدمات الذي يتأثر بشكل قوي بالأوضاع الأمنية والسياسية.

ثالثاً: يسمح بزيادة النمو بطريقة يُمكن معها تغطية كلفة الدين العام. فنسبة كلفة الدين العام على نسبة النمو عامل أساسي في إستمرارية إقتصادات الدول وزيادة هذه النسبة تعني أن الدين العام يزيد بشكل كبير أو أن النمو يقل، أو الإثنين معاً.

رابعاً: يسمح بزيادة إستقلاية الإقتصاد اللبناني عبر تقليل الإستيراد وزيادة التصدير.

هذه الديناميكية تتحقّق عبر سياسة ضريبية مناسبة، وإنفاق إستثماري من قبل الحكومة. فالسياسة الضريبية تسمح بتشجيع الإستثمار الخاص الذي يُعتبر الأساس. والإنفاق الإستثماري يأتي لتغطية وتكملة العجز في الإستثمار الخاص. وهذا يُرجعنا إلى السياسة الإقتصادية التي يتوجّب على الحكومة إعتمادها.

وفي نظرة إلى الواقع الإقتصادي اللبناني، نرى أن هذا الإقتصاد يعاني من عدة أمراض أهمها:

أولاً: فقدان السيطرة على المالية العامة التي تتمثّل بالدرجة الأولى بعجز في الميزانية العامة يتحوّل بشكل ميكانيكي إلى دين عام، كما وهدر عام لا يتماشى مع مدخول الدولة، وبهذا تفقد الدولة قدرتها على الإنفاق الإستثماري وعلى تنفيذ سياسة ضريبية لجذب المستثمرين. والسبب الأساسي لكل هذا الوضع التعيس الأوضاع الأمنية المتكرّرة والخلافات السياسية الحادة التي لا تُجنب الإقتصاد.

ثانياً: ضعف الإستهلاك الداخلي الناتج عن زيادة البطالة وإلغاء كثير من الوظائف في سوق العمل خصوصاً في قطاع السياحة الذي تضرّر جراء الأزمة السورية وإستيرادها إلى الشارع اللبناني.

ثالثاً: قلة الإستثمار الخاص الذي يهرب جراء الأوضاع الأمنية إلى أربيل والدول المجاورة. وقلة الإستثمار هذه تأتي أيضاً من عدم ليونة القوانين والمعاملات الإدارية، كما وسياسة ضريبية مؤاتية. وكنتيجة لضعف الإستهلاك، عمدت الكثير من الشركات إلى خفض الإستثمار (أنظر إلى الرسم – مصدر المعلومات indexmundi).

رابعاً: تأكل هياكل الإقتصاد اللبناني الذي يفتقر إلى إلاستثمار حتى في القطاعات التي كانت متقدمة على غيرها. على سبيل المثال، تنتشر مواقع تخزين النفط والغاز على طول الشاطئ اللبناني ويستمر التخزين فيها دون أن تخضع لأي إستثمارات منذ إنشائها مما يُبرز مشكلة الآمان خصوصاً في المناطق المأهولة بالسكان وقدرة أصحاب هذه الخزانات على الإستثمار في حال وقوع كارثة تُلزم إعادة البناء من جديد. أيضاً يُمكن إعطاء مثال الكهرباء والإتصالات وغيرها.

خامساً: التضخّم الذي هو مرض الأمراض إذ يقضي على كل رغبة في الإستثمار وعلى القدرة الشرائية لدى المُستهلك. هذا التضخّم المُرتبط، في لبنان، بعوامل غير إعتيادية كسلسلة الرتب والرواتب والقطاع العقاري وغيرها، هو من أحد أهم أسباب قتل النمو (لذا نتحدث عن النمو الحقيقي الذي يأخذ بالإعتبار التضخّم). والمعايير العالمية تنصّ على أن نسبة تضخّم بين 2 و3% هي نسبة معقولة، ولا يُمكن الوصول إلى تضخّم 0% لأن ذلك يعني وقف النمو.

سادساً: التصدير الذي يُعتبر ضعيفا جدا في لبنان بسبب ضعف القطاعات الصناعية، الزراعية والخدماتية والتي لم تصل إلى حد منافسة الدول الإخرى. وبالنظر إلى أرقام الإستيراد والتصدير نرى أن التصدير شكّل 22% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين شكّل الإستيراد 50 % في العام 2010. هذه المُشكلة تتم معالجتها عبر الإستثمار في القطاعات الواعدة كالإتصالات، المعلوماتية والنفط.

ما هي الوصفة الطبية للشفاء من هذه الأمراض؟

قبل كل شيء يجب تهدئة الأجواء السياسية وفرض الأمن قبل الحديث عن أي معالجة للوضع الإقتصادي. ثم يجب على الحكومة أن تضع خطة إقتصادية تُترجمها في الموازنة العامة في أسرع وقت ممكن، لأن كل سنة تأخير تُكلّف الإقتصاد اللبناني فاتورة تُقدر بـ 5 مليار دولار على الاقل.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.