سعر برميل البترول إلى 50 دولاراً

0

يشهد العالم حالياً عوامل عدة تتفاعل في ما بينها والتي قد تدفع بسعر برميل البترول إلى 50 دولارا أميركيا. من هذه العوامل التغيرات في هيكلية الإستهلاك النفطي وبدء عصر الغاز الصخري. على الرغم من إرتفاع الأسعار الناتجة عن التقلابات في أسواق العرض والطلب (الإقتصاد وأو المضاربة) كما والإضطرابات في دول منطقة الشرق الأوسط، فان سعر برميل البترول سينخفض بشكل هيكلي وفقا للتحليل الإقتصادي.

ليس بجديد الحديث عن أهمية النفط (Crude Oil) في الإقتصاد والذي يدخل في تصنيع 95% من السلع المُستهلكة يومياً. ومنذ بدء إنتاج النفط في العالم في العام 1860، هناك عوامل تؤثر على أسعاره. هذا الوضع أوجد حالة من الإرتباك والبحث عن تقنيات، وإتفاقات، وهياكل تنظيمية وسياسات عامة للحصول على إستقرار في الأسعار.

وعلى الرغم من النجاح في بعض الأحيان، إلا أن تنافس الدول أعاق وضع استراتيجية ناجحة لكل القطاع وأدى إلى تقلب قوي في الأسعار التي لها تأثير هائل في النمو الإقتصادي خصوصاً في الدول المتطورة إقتصادياً ( الرسم 1).

تتأثر أسعار النفط بعدة عوامل سنحاول تصنيفها لتسهيل تمرير الفكرة الرئيسية لهذا المقال، ألا وهي الإنخفاض في أسعار النفط:

أولاً العوامل الإقتصادية: تلعب العوامل الإقتصادية الناتجة عن الطلب على النفط دوراً كبيرا في تحديد السعر. فكلما كان الإقتصاد في مرحلة نمو إزداد الطلب على النفط والعكس بالعكس. إلا أن هذا الدور هو دوري (Conjoncturel) مما يعني إرتفاعا وإنخفاضا في الأسعار بحسب الدورة الإقتصادية.

أيضاً يُلاحظ أن تسعير برميل النفط يتم بالدولار الأميركي، الذي هو عرضة لإنخفاض في سعر صرفه (مثلاً التضخم في الولايات المتحدة الأميركية). ولكي تُحافظ الدول المُنتجة للنفط على قيمة مردودها المالي، تعمد إلى رفع أسعار البترول.

ثانياً العوامل الجيوسياسية: أن تأثير الأحداث في بعض المناطق كبير على أسعار النفط. فكل إحتمال لنشوب حرب في دولة منتجة للنفط كفيل بدفع الأسعار عالمياً حيث يتمركز المضاربون في وضعيات شرائية تحسباً لإنقطاع تصدير البترول.

ثالثاً العوامل التقنية: إن إكتشاف تقنيات تساعد في إستخراج وتصدير النفط بكلفة أقل لها تأثير سلبي على أسعار النفط. كما وأن إكتشاف مصادر بديلة للنفط يؤثر سلباً على أسعار النفط وآخر مثال على ذلك الإكتشافات الهائلة لحقول غاز في العالم (الحوض الشرقي للبحر الأبيض المُتوسط، قطر، الصين-اليابان…). أيضاً يُمكن ذكر الغاز الصخري الذي أصبح من الممكن إنتاجه في الولايات المتحدة الأميركية بفضل تقنيات الإستخراج.

هيكلية الإستهلاك

إن النظر إلى إستهلاك العالم من النفط والغاز يدفعنا إلى الإستنتاج (أنظر إلى الرسم 2) بأن الوزن الإقتصادي بدأ بالإنتقال من منطقة شمال أميركا، ومنطقة أوروبا وآسيا الأوروبية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. يتمثل هذا الإنتقال بزيادة حصة الإستهلاك في منطقة آسيا والمحيط الهادئ على حساب المناطق الأخرى.

ولكن هذا لا يعني أن الإستهلاك قد قلّ، لا بل على العكس، فإن الإستهلاك زاد في العالم لكن النمو بهذا الإستهلاك بدأ يقل. وهنا تكمن القطبة المخفية، فإنخفاض نمو الإستهلاك على الغاز كان أقل منه على النفط (كنسبة مئوية). ما يعني أن الإعتماد على الغاز بدأ بالظهور أكثر وأكثر.

الوضع في العام 2012

شهد العام 2012 تباطؤا في نمو استهلاك الطاقة على الصعيد العالمي، بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي ولكن أيضا لأن المستهلك، وخاصة في الدول المتطورة، استجاب لإرتفاع أسعار الطاقة عبر ترشيد إستهلاكه.

ومن الملاحظ من أرقام الإستهلاك (BP 2013)، أن النمو في إستهلاك الطاقة الأحفورية أقل من المعدل العام والمستفيد مصادر الطاقة الأخرى التي أصبحت متنوعة، مما يعني أن إمدادات الطاقة القادمة ستزداد مع تنوع مصادرها ومع استمرار التكيف والابتكار والتطور في هذا السوق. وتُظهر أرقام الإنتاج في العام 2012 في العالم أن الولايات المتحدة الأميركية زادت إنتاجها من الغاز الطبيعي والنفط بشكل هائل.

وكذلك الحال بالنسبة لدول أوبك وليبيا التي بدأت بالإنتاج في 2011 بعد إنتهاء الثورة، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وقطر الذين شهدوا مستويات إنتاج تاريخية. ومع ذلك وعلى الرغم من زيادة العرض، وصلت أسعار النفط إلى مستويات قياسية.

في العام 2013، وبحسب الوكالة العالمية للطاقة، فإن إستهلاك الإقتصاد العالمي للنفط سيكون أقل مما كان متوقعاً سابقاً بحيث سيتم إستهلاك 90.6 مليون برميل في النهار. وبحسب الوكالة، تعود الأسباب إلى تردّي الأوضاع الإقتصادية في الصين، وأوروبا وإلى التقشّف في موازنة الولايات المتحدة الأميركية مما سيؤثر على الطلب بشكل كبير. ومن ناحية العرض، سنشهد إرتفاعاً لإنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك (+1.1 مليون برميل في النهار).
 
التأثير على أسعار النفط

إن زيادة الأنتاج من النفط من قبل الدول المذكورة أعلاه سيكون له بدون أدنى شك تأثير على الأسعار. لكن الدول المُنتجة وخاصة دول أوبك، أصبح لها من الخبرة ما يكفي لخفض إنتاجها في حال إنخفضت الأسعار. لذا ولكي يكون الإنخفاض في السعر مستمرا مع الوقت يجب ألا يكون للإقتصاد تعلُّق هائل بالنفط.

وهذا فعلاً ما بدأ يحصل، فالثورة في عالم الطاقة التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية تُظهر أن البديل عن النفط لن يتأخر في الولوج في الماكينة الإقتصادية. والغاز الصخري الذي بدأت الولايات المُتحدة الأميركية بإستخراجه سيأخذ طريقه إلى الإقتصاد عبر التأقلم التقني والذي ستكون كلفته على المدى المتوسط أقل بكثير من النفط.

وإذا كانت الشركة المالية ألفافاليو قد توقعت إنهيار أسعار البترول إلى 50 دولارا في حلول العام 2015، نرى أن تعلق الإقتصادات المتطورة والماكينات العسكرية بالنفط، سيمنع الهبوط إلى ما دون 75 دولارا في العام 2015. ولكن إذا ما إستمر التطور التقني على ما هو عليه فإن أبواب الـ 50 دولارا للبرميل الواحد لن تكون بعيدة في الزمان.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.