القوى البشرية والمهارات اللازمة لقطاع النفط

0

في ظل سخونة الأحاديث عن ملف النفط في لبنان والصعوبات التي تعترضه، تظهر تحديات عدة تقنية وإقتصادية لتزيد صعوبة دفعه إلى الأمام. تمثل القوى البشرية اللبنانية والمهارات اللازمة للعمل في القطاع النفطي، والتي إذ لم تجهز في الوقت المطلوب، إحدى الصعوبات التي ستدفع إلى إستيراد أيدٍ عاملة أجنبية ممّا سيخلق خللا إجتماعيا (Social Dumping). فما هي حقيقة هذا الوضع وما هي حاجات قطاع النفط من قوى بشرية ومهارات للفترة القادمة؟

البطالة قنبلة موقوتة

تُعرّف البطالة بعدد الأشخاص الذين لا يُمارسون عملا، من مجمل القوة العاملة، والذين تفوق أعمارهم الـ 15 عاماً. وقياس نسبة البطالة عملية غير دقيقة لعدم تعريف الإقتصاد للحدود التي تفصل بين عدم قدرة الشخص على إيجاد عمل من نيته عدم العمل. وتأخذ البطالة أشكالا عدة تختلف مع العمر، الجنس، الوسط الجتماعي، نوع ومستوى التعليم (ٍSocio-professional).

والبطالة تنشأ عادة من خلل وقتي في الماكينة الإقتصادية (Conjoncture)، لكن في لبنان يجب زيادة عاملين إضافيين للبطالة : الأول غياب سياسات حكومية حكيمة وواضحة لسوق العمل مما جعل أزمة البطالة مُزمنة على مر السنين؛ والثاني البعد بين متطلبات سوق العمل وبرامج إعداد الكوادر المهنية والتقنية في الجامعات والمعاهد الجامعية.

وإزداد الوضع سوءاً في العامين الماضيين نتيجة الوضع الإقتصادي المتردّي الناتج عن الأزمة السورية كما ونزوح مئات الألوف من العمال السوريين الذين خلقوا خللا إجتماعيا يُسمّى Social Dumping (يُخفّض العامل الأجنبي أجره لدرجة تدفع الشركات لتوظيفه والإستغناء عن خدمات اللبناني).

وإذا ما نظرنا إلى الأرقام، نرى أن البطالة قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه السياسيين في الأشهر المقبلة إذا لم يتم أخذ تدابير للجم إرتفاع البطالة. فقد بلغت البطالة بحسب تقديرنا الـ 40% إلى تاريخ هذا المقال. والمنحى الصعودي الذي أخذته البطالة في العامين المنصرميين (أنظر إلى الرسم)، يُنذر بكارثة. ولا يُمكن كسر هذا المنحى الصعودي إلا بصدمة إيجابية تأتي عن طريق خلق فرص عمل بشكل كبير.

وتطاول البطالة سكان المدينة والقاطنين في الريف على حد سواء والسبب يعود إلى تكاثر العرض وتهاوي أسعار العمالة مع كثرة النازحين السوريين الذين إستحوذوا على قسم كبير من العمالة اليدوية في لبنان.

كما بدأت المحلات التجارية السورية تفتح أبوابها في البقاع وعكار حيث يُعاني سكانها من إرتفاع حاد للبطالة خصوصاً بين الشباب. وما مثال عبارة الموت الأندونيسية إلا نتيجة لهذا الوضع. من هنا يبرز القطاع النفطي كبوابة خلاص قد تُنقذ الشباب اللبناني من البطالة إذا ما أحسن القيّمون وضع إستراتيجيات لذلك.

المهارات والنقص في المناهج

إن حاجة القطاع النفطي لمهارات عالية ويد عاملة مُتخصصة هي حاجة نابعة من التقنيات العالية المُستخدمة في هذا القطاع. ويحتل المهندس مركزا أوليا في العمليات التقنية في هذا القطاع من ناحية أن الشركات النفطية والشركات العاملة في هذا القطاع تحتاج بالدرجة الأولى إلى تقنيين ذو مهارة عالية ويستطيعون العمل مباشرة دون الحاجة إلى فترات تدريب.

ويتمتع هذا القطاع بتنوع هائل للمهن المطلوبة تتراوح بين المهن التقنية (مهندس، تقني، عامل) إلى إدارة الأعمال (إدارة، تسويق، بيع…). وصعوبة هذه الأخيرة، أي إدارة الأعمال، تتمثل بمعرفة الشق التقني إضافة إلى الشق الإداري ممّا يعني الحاجة إلى مقررات تخصّص في الجامعات تسمح للطلاب بالإنخراط في هذا القطاع.

ولكن قطاع النفط في لبنان يفتقد إلى برامج تدريس في الجامعات تُعنى بتأهيل المهندسين للعمل فيه. وإذا كانت الجامعات في لبنان كالجامعة الأميركية في بيروت وكلية العلوم في الجامعة اللبنانية قد أدخلت برامج تدريس في هذا الإختصاص في مناهجها التعليمية، إلا أن هذه البرامج لا تُغطي كل المهن المطلوبة لهذا القطاع.

ومن بين المهن المطلوبة في هذا القطاع: جيولوجي، جيوفيزيائي، مهندس حفر، مهندس منشآت نفطية، مهندس صيانة، مهندس مبيعات تقني، مهندس عمليات، مهندس خزانات، رئيس عمال، منسق دراسات، عامل خدمات، مدقق نفقات، مخطط، رسام، عامل خارجي، عامل تجاري، مسؤول تشغيل، مسؤول مخزون نفطي، مسؤول مشتريات… وغيرها من المهن.

وتُقدر الحاجة السوق اللبناني من المهارات في المجالات المذكورة أعلاه بما يُقارب الـ 30 ألف يد عاملة للأربع سنين الأولى من البداية الفعلية للتنقيب عن النفط. على أن يرتفع هذا العدد إلى 50 ألفا بحسب حجم التلزيمات والسياسة التي ستُعتمد من ناحية نسبة العمالة الأجنبية.

التداعيات الإقتصادية…

لكن خلق فرص العمل هذه لن يكون فعالاً إذا لم يترافق مع عدد من الخطوات الإقتصادية والأكاديمية كفرض نسبة معينة لعدد العمال الأجانب (بحسب نسبة البطالة)، دعم القروض للقطاع الخاص بهدف الاستثمار في كل القطاعات مما يسمح بإنشاء حركة إقتصادية ناشطة وداعمة لنمو فرص العمل، إعادة النظر في انظمة التعليم وتوجيهها بحسب حاجة السوق والتوقف عن السماح للجامعات بتوزيع الشهادات التي لم تعد تؤمن للشباب اللبناني فرص عمل، وضع برامج تأهيلية للأيدي العاملة الباطلة عن العمل، وتخفيض الضرائب على الشركات التي تخلق فرص عمل جديدة. ونتوقع إذا ما تم عمل كل ما هو مذكور أعلاه أن يتخطى النمو في لبنان الـ 5% في السنين القادمة.

وأخيراً, إن الشباب اللبناني يعوّل كثيراً على قطاع النفط والغاز. من هنا تظهر المسؤولية الكبيرة التي يتحمّلها السياسيون والذين يتوجب عليهم تحييد هذا القطاع عن السياسة لما له من أهمية في خلاص لبنان. كما يتوجب عليهم خلق مناخ أمني وسياسي مناسب للإستثمارات تسمح للبنان بإستعادة مجده المفقود.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.